مقالات

دفاعٌ عن الثوار والمشايخ

بسم الله الرحمن الرحيم

دفاع عن الثوار والمشايخ

خطبة 26 أبريل 2019م

مسجد السلام بالطائف (22)

 

الحمد لله، وأصلِّي وأسلِّم على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فعنوان خطبتي: دفاع عن الثوار والمشايخ، والسؤال الذي لابد من الإجابة عنه بعد الإفصاح عن موضوع خطبتنا:

لم الحديث عن هذا الأمر؟

لكثرة الاتهامات الباطلة في أيامنا هذه.

وأذكر نوعين من الاتهامات كثر الحديث عنهما في الأيام الماضية:

اتهامات توجه بها البعض إلى الثوار.

منها:

أنهم جميعاً من الشيوعيين!

ومن الاتهامات التي نالتهم:

وأنهم لا دين لهم!

وأنهم سفلة!

وأنه لم يذهبوا إلى ميدان الاعتصام إلا ليفجروا.

ولقد ذهبت مراراً إلى مُعتَصم الناس، فوجدت أن المعتصمين يمثلون الشعب السوداني بجميع مكوناته وأطيافه؛ فهم آباؤنا وأمهاتنا، وإخواننا وأخواتنا، وأبناؤنا وبناتنا.

فنعوذ بالله من إطلاق التهم!

والنوع الثاني من الاتهامات:

اتهامات توجه به آخرون إلى بعض المشايخ الفضلاء:

  • قرأت أن شيخاً صوفياً جعل مسيده وكرا لتدريب قوات الظل، وهذا باطل.
  • اتهم ثلاثة من المشايخ أنهم أفتوا الرئيس المخلوع بقتل ثلث الشعب، وهذا باطل.

ومعلوم أن النظام السابق في فترة حكمه أساء كثيراً للإسلام، والإسلام بريء من هذه الإساءات ومن ظلمه.

 لذا كان لزاماً عليَّ أن أذب عن عرض الثوار، وعرض من ظلم من المشايخ بهذه المحاور الأربعة:

  • المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
  • اتهام الأبرياء من الكبائر.
  • الذب عن الأعراض من مهمات الآداب.
  • بشارة لكل من ولغ الناس في عرضه.

 

1/ من حقوق أخيك عليك: أن يسلم منك

ثبت في الصحيحين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».

والمؤمن لا ينبغي أن يكون فاحشاً

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِطَعَّانٍ، وَلَا بِلَعَّانٍ، وَلَا الْفَاحِشِ الْبَذِيءِ» رواه أحمد.

والطعان: الذي يقول ما يؤلم مَن يسمعه، يعرِّض بالكلام، فليست له جرأة على توجيه الذم المباشر، فيتكلم بكلام يفهم السامع منه أن يريد إعابته.

واللعان المكثر من اللعن.

والفاحش: الساب.

والبذيء: أن يصرح بما يُستحيا من التصريح به.

من سب مسلماً فقد فسق

لقوله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر» متفق عليه.

ومن الهلاك سب المسلم

فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ساب المؤمن كالمُشْرِفِ عَلَى الهَلَكَةِ» رواه البزار، وهو في الصحيحة (1878).

والساب شيطان

في مسند أحمد، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْتَبَّانِ شَيْطَانَانِ، يَتَهَاتران وَيَتَكَاذَبَانِ».

وفي لسان العرب (5/ 249) “الهِتْرُ، بِالْكَسْرِ: السَّقَطُ مِنَ الْكَلَامِ والخطأُ فِيهِ”.

والساب كآكل الربا

فعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «أربى الربا شتم الأعراض» رواه الهيثم بن كليب في المسند، وهو في الصحيحة برقم (1433).

والفاحش البذيء يبغضه الله:

عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الفَاحِشَ البَذِيءَ» رواه الترمذي.

والفاحش: الشاتم. والبذيء: الذي لا حياء له، فهو يتكلم بما يقبح ذكره [مرقاة المفاتيح 7/3044].

وفاحش اللسان يجر الإساءة لوالديه، ومن فعل ذلك فقد ارتكب إثماً كبيراً

عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» رواه مسلم.

فإذا سمع الناس بذيء اللسان ماذا يقولون عنه؟ لم يحسن والداه تربيته! فيكون قد تسبب في أن يُساء إلى والديه.

لا يجوز أن يكون المسلم فاحشاً حتى مع أعداء الله، فكيف بإخوانه؟!

في صحيح مسلم، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُنَاسٌ مِنَ الْيَهُودِ فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ: «وَعَلَيْكُمْ» قَالَتْ عَائِشَةُ: قُلْتُ بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَالذَّامُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا عَائِشَةُ «لَا تَكُونِي فَاحِشَةً» فَقَالَتْ: مَا سَمِعْتَ مَا قَالُوا؟ فَقَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِمِ الَّذِي قَالُوا، قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ».

هذا في مخاطبة اليهود، فكيف بمخاطبة المسلم للمسلم؟!

درة نفيسة

سَمِعَ ابْنُ سِيرِينَ رَجُلًا يَسُبُّ الْحَجَّاجَ، فَقَالَ: “مَهْ أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّكَ لَوْ وَافَيْتَ الْآخِرَةَ كَانَ أَصْغَرُ ذَنْبٍ عَمِلْتَهُ قَطُّ أَعْظَمَ عَلَيْكَ مِنْ أَعْظَمِ ذَنْبٍ عَمَلُهُ الْحَجَّاجُ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ حَكَمٌ عَدْلٌ، إِنْ أَخَذَ مِنَ الْحَجَّاجِ لِمَنْ ظَلَمَهُ شَيْئًا فَشَيْئًا أَخَذَ لِلْحَجَّاجِ مِمَّنْ ظَلَمَهُ، فَلَا تَشْغَلَنَّ نَفْسَكَ بِسَبِّ أَحَدٍ” [شعب الإيمان 9/ 57].

 

2/ وإن من حق المسلم عليك ألا تتهمه ظلماً:

قال تعالى: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15].

وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

ومعنى الآية: والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بقول أو فعل من غير ذنب عملوه، فقد ارتكبوا أفحش الكذب والزور، وأتوا ذنبًا ظاهر القبح يستحقون به العذاب في الآخرة.

وفي صحيح البخاري، عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ، قَالَ: شَكَا أَهْلُ الكُوفَةِ سَعْدًا إِلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَعَزَلَهُ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَمَّارًا، فَشَكَوْا حَتَّى ذَكَرُوا أَنَّهُ لاَ يُحْسِنُ يُصَلِّي، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا أَبَا إِسْحَاقَ إِنَّ هَؤُلاَءِ يَزْعُمُونَ أَنَّكَ لاَ تُحْسِنُ تُصَلِّي، قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ «فَإِنِّي كُنْتُ أُصَلِّي بِهِمْ صَلاَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْرِمُ عَنْهَا، أُصَلِّي صَلاَةَ العِشَاءِ، فَأَرْكُدُ فِي الأُولَيَيْنِ وَأُخِفُّ فِي الأُخْرَيَيْنِ»، قَالَ: ذَاكَ الظَّنُّ بِكَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ، فَأَرْسَلَ مَعَهُ رَجُلًا أَوْ رِجَالًا إِلَى الكُوفَةِ، فَسَأَلَ عَنْهُ أَهْلَ الكُوفَةِ وَلَمْ يَدَعْ مَسْجِدًا إِلَّا سَأَلَ عَنْهُ، وَيُثْنُونَ مَعْرُوفًا، حَتَّى دَخَلَ مَسْجِدًا لِبَنِي عَبْسٍ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ أُسَامَةُ بْنُ قَتَادَةَ يُكْنَى أَبَا سَعْدَةَ قَالَ: أَمَّا إِذْ نَشَدْتَنَا فَإِنَّ سَعْدًا كَانَ لاَ يَسِيرُ بِالسَّرِيَّةِ، وَلاَ يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ، وَلاَ يَعْدِلُ فِي القَضِيَّةِ، قَالَ سَعْدٌ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَدْعُوَنَّ بِثَلاَثٍ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ هَذَا كَاذِبًا، قَامَ رِيَاءً وَسُمْعَةً، فَأَطِلْ عُمْرَهُ، وَأَطِلْ فَقْرَهُ، وَعَرِّضْهُ بِالفِتَنِ، وَكَانَ بَعْدُ إِذَا سُئِلَ يَقُولُ: شَيْخٌ كَبِيرٌ مَفْتُونٌ، أَصَابَتْنِي دَعْوَةُ سَعْدٍ، قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: فَأَنَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ، قَدْ سَقَطَ حَاجِبَاهُ عَلَى عَيْنَيْهِ مِنَ الكِبَرِ، وَإِنَّهُ لَيَتَعَرَّضُ لِلْجَوَارِي فِي الطُّرُقِ يَغْمِزُهُنَّ.

وعند مسلمٍ، أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ، ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: “أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الْأَرْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ»، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لَا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ: «اللهُمَّ، إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا»، قَالَ: «فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا، إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ».

 

3/ الذب عن الأعراض من مهمات الآداب

الواجب على من سمع الغيبة أن يذب عن إخوانه، وينكر هذا المنكر، وقد دلت سنة نبينا صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية على ذلك:

أما السنة الفعلية فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم لما رجم ماعزاً رضي الله عنه قال رجلان أحدهما للآخر: انْظُرْ إِلَى هَذَا الَّذِي سَتَرَ الله عَلَيْهِ، فَلَمْ تَدَعْهُ نَفْسُهُ حَتَّى رُجِمَ رَجْمَ الْكَلْبِ. فَسَكَتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عَنْهُمَا ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، حَتَّى مَرَّ بِجِيفَةِ حِمَارٍ شَائِلٍ بِرِجْلِه (أي: ارتفعت رجله بسبب انتفاخ بطنه)، فَقَالَ: «أَيْنَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ»؟ فَقَالَا: نَحْنُ ذَانِ يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «انْزِلَا فَكُلَا مِنْ جِيفَةِ هَذَا الْحِمَارِ». فَقَالَا: يَا نَبِيَّ الله مَنْ يَأْكُلُ مِنْ هَذَا؟ قَالَ: «فَمَا نِلْتُمَا مِنْ عِرْضِ أَخِيكُمَا آنِفًا أَشَدُّ مِنْ أَكْلٍ مِنْهُ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ الْآنَ لَفِي أَنْهَارِ الْجَنَّةِ يَنْغَمِسُ فِيهَا» رواه أبو داود.

ولما ذكرصلى الله عليه وسلم مالكَ بن الدُّخْشُن قال رجل: إنه منافق. فقال زاجراً له: «لَا تَقُلْ ذَلِكَ؛ أَلَا تَرَاهُ قَدْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا الله يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ الله» رواه البخاري ومسلم.

وندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك بسنته القولية.

فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ذَبَّ عَنْ لَحْمِ أَخِيهِ بِالْغِيبَةِ كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُعْتِقَهُ مِنْ النَّارِ» رواه أحمد. وللترمذي: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ رَدَّ الله عَنْ وَجْهِهِ النَّارَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

وقال صلى الله عليه وسلم:«مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، إِلَّا خَذَلَهُ الله فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ. وَمَا مِنْ امْرِئٍ يَنْصُرُ مُسْلِمًا فِي مَوْضِعٍ يُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ، وَيُنْتَهَكُ فِيهِ مِنْ حُرْمَتِهِ، إِلَّا نَصَرَهُ اللهُ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ نُصْرَتَهُ» رواه أحمد وأبو داود.

وهكذا كان أصحاب نبينا صلى الله عليه وسلم يذبُّون عن عرض إخوانهم.

ففي حادثة الإفك في الصحيحين لما عثرت أم مسطح في مرطها وقالت: “تعس مسطح”؛ قالت لها عائشة رضي الله عنها: “بئس ما قلت، أتسبين رجلاً شهد بدراً مع النبي صلى الله عليه وسلم؟!”.

ولما سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن كعب بن مالك لما خرج إلى تبوك، فقال بعض القوم: “حَبَسَهُ بُرْدَاهُ وَالنَّظَرُ فِي عِطْفَيْهِ”. (والعطفان: الجانبان، يريد الإعجاب بالنفس) فَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضي الله عنه: “بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَالله يَا رَسُولَ الله مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم” رواه مسلم.

قال النووي رحمه الله: “هذا دليل لرد غيبة المسلم الذي ليس بمتهتك في الباطل، وهو من مهمات الآداب، وحقوق الإسلام” [شرح النووي على مسلم 17/89].

وقال أيضاً: “اعلم أنه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردها ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللسان، فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممن له عليه حق، أو كان من أهل الفضل والصلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر” [الأذكار، ص343].

 

4/ بشارة لكل من اتهم ظلماً

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ»؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ. فَقَالَ:«إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» رواه مسلم.

والحسنات في يوم القيامة أمرها عظيم.

قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (34) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (35) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (36) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: 34 – 37]. يفر ولا يرضى أن يبذل حسنة واحدة لأبيه وأمه.

ولذا أُثر عن جابر بن عبد الله قال قيل لعائشة إن ناسا يتناولون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إنهم ليتناولون أبا بكر وعمر! فقالت: “أتعجبون من هذا!؟ إنما قطع عنهم العمل فأحب الله أن لا يقطع عنهم الأجر” رواه ابن عساكر في تاريخ دمشق.

رب صل وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × اثنان =