خطب منبرية مفرغة

وما ذنب الإسلام!؟

بسم الله الرحمن الرحيم

وما ذنب الإسلام!؟

خطبة 1 مارس 2019

مسجد السلام بالطائف (22)

 

 

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فموضوع خطبتنا هذه: الدفاع عن الإسلام.

فما سببها؟

سببها: أن فئاماً ممن لا خلاق لهم ولا دين أخذوا بسبب هذه الأحداث الأخيرة يطعنون في دين الإسلام! في قلوبهم مرض فاتخذوا من هذه الأحداث سبيلاً للنيل من دين الله تعالى!

ولي وقفات مع هؤلاء في هذه الخطبة، أذب بها عن دين الله تعالى.

وهذه محاور خطبتي

  • لا يضر السحابَ نبحُ الكلاب.
  • أخطاء المسلمين لا تنسب إلى الإسلام.
  • الإسلام والفساد المالي.
  • الإسلام والمحاباة.
  • الإسلام والظلم
  • صورة مشرقة للحكم الراشد في الإسلام.
  • هذا هو الحاكم في الإسلام

 

لا يضر السحاب نبحُ الكلاب

فالمستقبل لهذا الدين.

قال تعالى في التوبة (23)، والصف (9) {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ}. وقال في الفتح: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح: 28].

وفي صحيح مسلم، عَنْ ثَوْبَانَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِي الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي».

وفي مسند أحمد، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ». وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ يَقُولُ: “قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ وَالشَّرَفُ وَالْعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ”.

وقوله: «بعز عزيز»، أي: مقروناً بعز من أراد الله تعالى له أن يكون عزيزاً، وهو من  أراد له الإيمان لا قبول الجزية.

ووردت إلينا الأخبار قبل أيام أنَّ الجالية السودانية في بيرمنجهام في إنجلترا اشترت كنيسة بمبلغ ٤٥٠ ألف جنيه إسترليني وحولتها إلى مسجد، وهذه المدينة فيها أكثر من 250.000 مسلم، فالحمد لله رب العالمين.

 

أخطاء المسلمين لا تنسب إلى الإسلام

في صحيح البخاري، بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلاَ يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ».

فخطأ خالد لم ينسب إلى الإسلام، بل تبرأ منه نبي الإسلام عليه السلام.

ولا يجوز في الإسلام تتبع أخطاء العلماء في التحليل والتحريم، فكيف بغيرهم!؟

فعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: ” يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ، فَطَرَحْتُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ} حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» رواه الترمذي.

 

الإسلام والفساد المالي

وأتوقع أن أكثر منبر حذر من هذه الجريمة منبر هذا المسجد.

ثبت في مسند أحمد، عَنْ أَبِي رَافِعٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ رُبَّمَا ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَيَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ حَتَّى يَنْحَدِرَ لِلْمَغْرِبِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْرِعًا إِلَى الْمَغْرِبِ إِذْ مَرَّ بِالْبَقِيعِ فَقَالَ: «أُفٍّ لَكَ، أُفٍّ لَكَ»، فَكَبُرَ فِي ذَرْعِي، وَتَأَخَّرْتُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُنِي، فَقَالَ: «مَا لَكَ؟ امْشِ». قُلْتُ: أَحْدَثْتُ حَدَثًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ»؟ “، قُلْتُ: أَفَّفْتَ بِي، قَالَ: ” لَا، وَلَكِنَّ هَذَا قَبْرُ فُلَانٍ بَعَثْتُهُ سَاعِيًا عَلَى بَنِي فُلَانٍ، فَغَلَّ نَمِرَةً فَدُرِّعَ الْآنَ مِثْلَهَا مِنْ نَارٍ».

فأبطل هذا النص ما لا يُسمى بفقه السترة! وبين موقف الإسلام من الاعتداء على المال العام؛ فإنه إهدار لموارد البلاد، ومهما كبر حجم الإنتاج في بلد إذا لم يُحارب الفساد فيه فإن هذه الثروات تصب في صالح طائفة معينة، وما أكثرهم، لا كثرهم الله، وكسرهم، وقصم ظهرهم.

 

الإسلام والمحاباة

في الصحيحين، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ»؟! ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».

وبعد فتح مكة جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مَعَ السِّقَايَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؟ فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ: هَاكَ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ، الْيَوْمُ يَوْمُ بِرٍّ وَوَفَاءٍ [سيرة ابن هشام 2/ 412].

والحجابة: أَن تكون مَفَاتِيح الْبَيْت عِنْده فَلَا يدْخلهُ أحد إِلَّا بِإِذْنِهِ.

والسِّقَايَة: يعْنى سِقَايَة زَمْزَم، وَكَانُوا يصنعون بهَا شرابًا فِي الْمَوْسِم للْحَاج الّذي يوافي مَكَّة ويمزجونه تَارَة بِعَسَل، وَتارَة بِلَبن، وَتارَة بنبيذ، يتطوعون بذلك من عِنْد أنفسهم.

 

الإسلام والظلم

وقد سبق عنه في الحديث في سبعِ خطب، كلها في تحذير ديننا منه، ومن أهله.

لكن لابد لي هنا من التذكير بآيتين، فيهما عبرة لمن أراد الله به خيراً:

قل تعالى: {إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21]، لا يفلحون لا في الدنيا ولا في الآخرة.

والثانية: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111].

 

صورة مشرقة للحكم الراشد في الإسلام

ذكر ابن الجوزي في مناقب عمر (ص225) أن معاذ بن جبل رضي الله عنه جاء بمال كثير من اليمن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليها معاذًا حاكماً وقاضياً، فعهد الصديق بهذا الملف إلى الفاروق رضي الله عنهما ليحقق فيه، فلأنه اتجر، ويخشى أن الناس قد أقبلوا على التعامل معه لكونه حاكماً أبقى له أمير المؤمن عمر أصل ماله، وأودع الربح في بيت مال المسلمين، فرأى معاذ في منامه كانه يسقط في النار، فأنقذه منها عمر رضي الله عنه.

هذا هو الإسلام، لا يمكن أن يكون لوزير الصحة مستشفى خاص! أو لوزير التعليم جامعة خاصة!! أو لأي وزير أي عمل تجاري!! هذا فساد عريض لا يعقل أن الإسلام يسوِّغه.

 

هذا هو الحاكم في الإسلام

في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 125) دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَجِيرُ.

فَقَالَ النَّاسُ: الْأَمِيرُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ!

ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَجِيرُ.

فَقَالَ النَّاسُ: الْأَمِيرُ!

فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: دَعُوا أَبَا مُسْلِمٍ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ. قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: “إِنَّمَا مَثَلُكَ مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَوَلَّاهُ مَاشِيَتَهُ، وَجَعَلَ لَهُ الْأَجْرَ عَلَى أَنْ يُحْسِنَ الرَّعِيَّةَ وَيُوَفِّرَ جَزَازَهَا وَأَلْبَانَهَا، فَإِنْ هُوَ أَحْسَنَ رَعِيَّتَهَا، وَوَفَّرَ جَزَازَهَا حَتَّى تَلْحَقَ الصَّغِيرَةُ وَتَسْمَنَ الْعَجْفَاءُ، أَعْطَاهُ أَجْرَهُ وَزَادَهُ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً، وَإِنْ هُوَ لَمْ يُحْسِنْ رَعِيَّتَهَا وَأَضَاعَهَا حَتَّى تَهْلِكَ الْعَجْفَاءُ وَتَعْجَفَ السَّمِينَةُ وَلَمْ يُوَفِّرْ جَزَازَهَا وَأَلْبَانَهَا غَضِبَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَجْرِ فَعَاقَبَهُ وَلَمْ يُعْطِهِ الْأَجْرَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا شَاءَ اللهُ كَانَ.

رب صل وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × 2 =

شاهد أيضاً

إغلاق