خطب منبرية مفرغةمقالات

العدل

بسم الله الرحمن الرحيم

العدل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فالعدل مما تواطأت الشرائع على حسنه، واتفقت الملل على الدعوة إليه وترسيخه، وما من نبي إلا وجاء به، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد/25]. فكتبُ الله المنزلة دساتير العدل، ومنبع الهداية، ولكل رسول كتاب.

فما هو العدل؟

العدل ضد الجور.

وفي الشرع: فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وهل العدل إلا في شرع الله؟ وهو: بذل الحقوق الواجبة وتسوية المستحقين في حقوقهم، وهو: إعطاء كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.

 

هل الإسلام دين مساواة؟

من الخطأ أن يقال: إن الإسلام دين المساواة! وإنما هو دين العدل، فالعدل إعطاء كل ذي حق حقه، أما المساواة المطلقة مع اقتضاء التفرقة بالعدل فإنها ليست من الإسلام في شيء. ولهذا نفيت المساواة في مواطن من القرآن الكريم، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (95) دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء/95، 96]. وقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [الحديد/10].

فالمساوة لا تكون عدلا إلا في حق من انتفت الفروق بينهم، وفي الحقوق العامة، فهي قد تكون عدلاً وقد لا تكون، ولذلك كان الصواب أن يقال: الإسلام دين العدل.

 

العدل صفة إلهية

قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [النساء/40]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ [يونس/44]. وذلك لكمال عدله.

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله قد أعطى كلَّ ذي حقّ حقَّه» رواه أبو داود.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنْ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ» رواه مسلم.

وتأمل الآية: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف/28]، وانظر كيف أنصف الله المشركين، فإنه لم ينكر عليهم قولهم: ﴿وجدنا عليها آباءنا﴾؛ لأنه حق، قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [البقرة/170]. ولما قالت ملكة سبأ –وكانت على الكفر- ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾، صحح الله قولها، وصوب رأيها، فقال: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ [النمل/34].

وليس لنا أن نسمي الله بالعدل، فإن ذلك لم يرد في الكتاب ولا في السنة، ولا نسمي الله إلا بما ورد فيهما.

 

جهات العدل

للعدل جهات عديدة، منها:

1/ العدل مع الله

ويتحقق ذلك بأن لا نصرف شيئاً من حقه إلى عبيده، فمن فعل ذلك وقع في أقبح الظلم، فحق الله علينا أن نفرده بالعبادة. ثبت في الصحيحين، عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رِدْفَ النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، ليس بيني وبينه إلا مؤخرة الرحل، فقال: «يا معاذَ بنَ جبل». قلت: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل». قلت: لبيك رسول الله وسعديك. ثم سار ساعة ثم قال: «يا معاذ بن جبل». قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: «هل تدري ما حق الله على العباد»؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا». ثم سار ساعة قال: «يا معاذ بن جبل». قلت: لبيك رسول الله وسعديك. قال: «هل تدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك»؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «أن لا يعذبَهم».

والشرك بالله شر أنواع الظلم، في الصحيحين، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنها قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿الذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام/82]، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ: «كَمَا تَظُنُّونَ! إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾».

 

2/ العدل مع النفس

ويوضح صورته هذا الحديث: عن أَبِي جُحَيْفَةَ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنها قَالَ: آخَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فَقَالَ لَهَا: مَا شَأْنُكِ؟ قَالَتْ: أَخُوكَ أَبُو الدَّرْدَاءِ لَيْسَ لَهُ حَاجَةٌ فِي الدُّنْيَا. فَجَاءَ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ: كُلْ. قَالَ: فَإِنِّي صَائِمٌ. قَالَ: مَا أَنَا بِآكِلٍ حَتَّى تَأْكُلَ. قَالَ: فَأَكَلَ. فَلَمَّا كَانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أَبُو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ، قَالَ: نَمْ، فَنَامَ. ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ: فَقَالَ نَمْ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ سَلْمَانُ: قُمْ الْآنَ، فَصَلَّيَا. فَقَالَ لَهُ سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «صَدَقَ سَلْمَانُ» رواه البخاري.

إنَّ من العدلِ مع النفس أن تسلك بها سبيلَ نجاتها، وظلم الإنسان لنفسه بأمرين: بترك الفرائض، وإتيان المحرمات. فإذا كان هذا ظلماً كان حملها على طاعة الله عدلاً.

 

3/ العدل بين الوالدين

وذلك ببرِّهما جميعاً؛ فبعض الناس يحسن إلى أمه ويبالغ في برِّها، ويزهد في بر أبيه!! وبعضهم يزهد في بر أمه ويحسن إلى أبيه! ولا يكون المرء باراً حتى يبرَّ بهما جميعاً.

روي أن رجلا قال للإمام مالك رحمه الله: والدي في السودان, كتب إليَّ أن أقدم عليه, وأمي تمنعني من ذلك, فقال له مالك: أطع أباك ولا تعص أمك! يعني أنه يبالغ في رضى أمه بسفره لوالده, ولو بأخذها معه, ليتمكن من طاعة أبيه وعدم عصيان أمه، ويسدد ويقارب لئلا يخالف واحداً منهما.

 

4/ العدل بين الأولاد.

في صحيحي البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، أن أباه أتى به رسول الله  فقال: «إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي. فقال رسول الله : «أفعلت هذا بولدك كلهم»؟ قال: لا. قال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله واعدلوا في أولادكم». قال: فرجع أبي فردَّ تلك الصدقة». وفي رواية: «أشهد غيري فإني لا أشهد على جَور». وفي أخرى لمسلم: «أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء»؟ قال: بلى. قال: «فلا إذن». ولابن حبان: «سووا بين أولادكم في العطية كما تحبون أن يسووا بينكم في البر».

يقول إبراهيم التيمي رحمه الله: “إني لو قبلت أحدَ الصغار من أولادي لرأيتُ لازمًا عليّ أن أقبل الصغيرَ مثله؛ خوفًا من أن يقعَ في نفس هذا عليّ أذى”.

 

وهنا ست مسائل تتعلق بالعدل بين الأولاد..

الأولى:

أنَّ هناك فرقاً بين النفقة والتبرع المحض.

ففي النفقة نعطي كل ولد ما يسد حاجته، فالذي في الجامعة يحتاج من المال أكثر مما يحتاجه الذي في المدرسة، والمريض ينفق عليه أكثر من الصحيح. وأما التبرع المحض فلا بد من المساواة فيه.

الثانية:

هل يساوي بين الذكر والأنثى من ولده؟

هذه فيها قولان لأهل العلم. فالحنابلة يرون أنَّ القسمة الشرعية في عطية الوالد لأولاده أن تكون حسب قسمة الميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين، لأنه لا أعدل من قسمة الله تعالى.  قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “ويجب التعديل في عطية أولاده على حسب ميراثهم، وهو مذهب أحمد” [الاختيارات، ص 184].

وقال شريح القاضي لرجل قسم ماله بين أولاده : “قِسْمَةُ اللَّهِ أَعْدَلُ مِنْ قِسْمَتِك، فَارْدُدْهُمْ إلَى قِسْمَةِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ” رواه عبد الرزاق في مصنفه.

وقال عطاء: “مَا كَانُوا يُقَسِّمُونَ إلا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى”. وانظر المغني (8/261).

وقال غيرهم من العلماء بوجوب التسوية بينهم، والخلاف في المسألة سائغ.

ولقائل أن يقول: مسألة الإرث لا يتصور معها حصول الشحناء، فإن الوالد مات، والنص فيها واضح، والخلاف فيها غير واقع، أما مسألتنا هذه فمحل خلاف، والوالد موجود بينهم، فهل يأمن الوالد إذا فاضل بينهما أن يتسرب إليها حقد عليه أو على أخيها؛ إذ لا نص قاطع في المسألة؟! ولذا فمن الخير أن نساوي بينهما في عطايانا، والله أعلم.

والحاصل: أنه لو منح ابنه أرضاً مساحتها 200م م، ومنح ابنته 200 أو 100م م لم يكن ظالماً في الحالين.

الثالثة:

الولد الذي يعمل مع والده؟

هذا يعطى راتبه ولا إشكال، فيأخذ أجرة مثله، ثم يأخذ ما يأخذه إخوانه فيما عدا ذلك.

الرابعة

هل الأم مخاطبة بالعدل بين ولدها؟

قال ابن قدامة رحمه الله: “والأم في المنع من المفاضلة بين الأولاد كالأب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا الله، واعدلوا بين أولادكم»، ولأنها أحد الوالدين فمنعت التفضيل كالأب، ولأن ما يحصل بتخصيص الأب بعض ولده من الحسد والعداوة يوجد مثله في تخصيص الأم بعض ولدها، فثبت لها مثل حكمه في ذلك” [المغني 8/261].

الخامسة:

هل للوالد أن يفرِّق بين ولديه لأن أحدهما بار والآخر عاق؟

الجواب: لا؛ فهذا مما يتفاحش به المنكر، فبدلاً من تلبُّس العاق بمعصيةِ العقوق، يكون منه العقوق الزائد، والحقد على أخيه، والخطأ لا يدافع بمثله. ولربما ورَّث المحروم حقده لولده فكانت قطيعة الرحم بذلك.

السادسة

لو جار والد فكيف سبيل التوبة؟

بواحد من ثلاثة أمور:

إما أن يرد ما فاضل به بين ولده؛ فإن والد النعمان الذي منح ابنه ما لم يعط إخوته لما أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم أخذ منه هذه العطية وردها.

وإما أن يعطي الثاني مثلما أعطى الأول.

وإما أن يسترضي المحرومين الراشدين، لكن: لابد من التيقن من حصول الرضا وطيب النفس، ولا يكون رضا حياء ومهابة ومجاملة، ولا أفضل من العدل؛ فإن الصدور قد تصفو يوماً ثم تكون على خلاف هذا أياماً.

 

5/ العدل بين الزوجات

قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾ [النساء/3]. أي: وإن خفتم ألا تعدلوا في يتامى النساء اللاتي تحت أيديكم بأن لا تعطوهن مهورهن كغيرهن، فاتركوهن وانكحوا ما طاب لكم من النساء من غيرهن: اثنتين أو ثلاثًا أو أربعًا، فإن خشيتم ألا تعدلوا بينهن فاكتفوا بواحدة، أو بما عندكم من الإماء.

وفي سنن أبي داود، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنها، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ مَائِلٌ».

وأما العدل المنفي في الآية: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء/129]، فالمراد به أمران لا يؤاخذ الإنسان بهما: الحب والجماع.

تقول عَائِشَةُ رضي الله عنها: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» رواه أبو داود، وقال: يعني القلب.

ولما سأل عمروٌ رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أحب الناس إليك؟ قال: «عائشة» متفق عليه.

 

6/ العدل بين الزوجات والأمهات

إنَّ مما يؤسف عليه: أن بعض الناس يرى أن من تمام برِّه بأمه أن يقهر لها زوجته! والله الذي أمر ببر الوالدة أمر بالإحسان إلى الزوجة، ولا يكون الرجل عادلاً إلا إذا أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقه، وإذا دخلت امرأة النار بظلم هرة، فكيف بظلم الزوجة!؟

بعض الأمهات تشعر بالغيرة على ولدها من زوجه، فترى أن هذه المرأة استحوذت على اهتمامه، وهنا لابد من ثلاث رسائل:

رسالة لهذه الأم بأن تتقي الله تعالى وتدفع هذا الشعور عن نفسها.

ورسالة للولد أن لا يقصر بعد زواجه في بره بوالديه.

ورسالة للزوجة أن تكون عوناً لزوجها في بره بوالديه، وهي وولدها أول من يحظى ببركات ذلك في الدنيا والآخرة.

فإذا كثرت المشاكل بين الزوجة والأم أو الأخت، ولم يجد الزوج سبيلاً للتخلص منها إلا بقطع تواصل زوجته مع أمه أو أخته فعليه بهذا، ثم يعطي كل ذي حق حقه، فلا يسمح لوالدته بظلم زوجته، ولا يسمح لزوجته بأن تسيء إلى أمه أم تمنعه من برها.

 

7/ العدل مع الأعداء

وقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب من الأمثلة ما يحير العقول.

فعن أمِّ المؤمنين عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: السَّامُ عَلَيْكَ، فَفَهِمْتُهَا فَقُلْتُ: عَلَيْكُمْ السَّامُ، والذام، وَاللَّعْنَةُ، والغضب. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَهْلًا يَا عَائِشَةُ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «فَقَدْ قُلْتُ: وَعَلَيْكُمْ» متفق عليه.

وقال صلى الله عليه وسلم: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوْ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه أبو داود.

 

8/ العدل مع المخالف

لقد ابتُلي الناس في هذا الزمان بفئة ظالمة، لا همَّ لها سوى تتبع الزلات، وتصيُّد العثرات، فمن خالف في مسألة يسوغ الخلاف فيها صار مبتدعاً، فاسقاً، حزبياً، بغيضاً، ضالاً، سرورياً، قطبياً، بغيضاً، والله يقول: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [الزخرف/19]، فهل أعددنا للسؤال جواباً؟ ولا ريب أن رافع هذا اللواء سينال الحُظوة عند مشايخه الذين سلك دربهم ورمى بقوسهم، ولكني أذكره بآية في كتاب الله: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (93) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (94) وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم/93-95]. وعندها يكلمنا الله بدون حجاب ولا ترجمان، والله المستعان.

قال ابن رجب رحمه الله: “ويأبى الله العصمة لكتاب غير كتابه، والمنصف من اغتفر قليل خطأ المرء في كثير من صوابه” [القواعد، ص 3].

وقال ابن عبد البر رحمه الله: “عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من كان فضله أكثر من نقصه ذهب نقصه لفضله، كما أن من غلب عليه نقصانه ذهب فضله. وقال غيرُه: لا يسلم العالم من الخطأ، فمن أخطأ قليلاً وأصاب كثيراً فهو عالم، ومن أصاب قليلاً وأخطأ كثيرا فهو جاهل” [جامع بيان العلم وفضله: 2/48].

وإني أنصح بقراءة ما رقمه العلامة/ عبد المحسن العباد حفظه الله، في (رفقاً أهلَ السنة بأهلِ السنة).

ومما يحمل على العدل مع الغير قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأت منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس ما يحب أن يؤتى إليه» رواه مسلم.

رب صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

11 + تسعة =

شاهد أيضاً

إغلاق