جامعة الخرطوم

الإيمان بالقدر

بسم الله الرحمن الرحيم

الإيمان بالقضاء والقدر

  1. ورد ذكر القضاء والقدر كثيراً في السنة وهذا يدل على أن الكلام فيه سنة، والنهي الذي ورد في ذلك في حق من يتكلم بدون علم.
  2. تعريف القضاء والقدر: علم الله بالأشياء، وكتابته، ومشيئته، وخلقه لها.
  3. الفرق بين القضاء والقدر: القدر التقدير، والقضاء الإيجاد، وقيل بالعكس، وقيل: لا فرق.
  4. الأدلة على أن كل شيء بقدر كثيرة، منها: قال تعالى: { إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ } [القمر: 49]، أي: إنا كل شيء خلقناه بمقدار قدرناه وقضيناه، وسبق علمنا به، وكتابتنا له في اللوح المحفوظ. وقال تعالى: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا} [الأحزاب: 38] قدر في الأزل، ولابد من وقوعه كما قُدِّر. ومن السنة دل على ذلك حديث جبريل عليه السلام. ومنها حديث المسند، قال الْوَلِيدُ بْنُ عُبَادَةَ بن الصامت رضي الله عنه: دَخَلْتُ عَلَى أبي وَهُوَ مَرِيضٌ أَتَخَايَلُ فِيهِ الْمَوْتَ فَقُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ أَوْصِنِي وَاجْتَهِدْ لِي. فَقَالَ: أَجْلِسُونِي. فَلَمَّا أَجْلَسُوهُ قَالَ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَطْعَمَ طَعْمَ الْإِيمَانِ، وَلَنْ تَبْلُغْ حَقَّ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ بِاللهِ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتَاهُ وَكَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ مَا خَيْرُ الْقَدَرِ مِنْ شَرِّهِ؟ قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَمَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ. يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ اللهُ الْقَلَمُ، ثُمَّ قَالَ: اكْتُبْ فَجَرَى فِي تِلْكَ السَّاعَةِ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»، يَا بُنَيَّ إِنْ مِتَّ وَلَسْتَ عَلَى ذَلِكَ دَخَلْتَ النَّارَ.
  5. قال ابن عباس رضي الله عنهما: “كل شيء بقدر حتى وضْعُكَ يَدَكَ على خدك” رواه البخاري في خلق أفعال العباد. وقال كذلك: إذا جاء القدر حال دون البصر.
  6. مراتب أو أركان الإيمان بالقدر أربعة، وهي: عِلْمٌ كِتابةُ مولانا مشيئَتُهُ*وخَلْقُهُ وهو إيجادٌ وتكوينُ
  7. المراد بالعلم أن الله بكل شيء عليم، علم ما كان، وما يكون، وما هو كائن، وما لم يكن أن لو كان كيف يكون؟
  8. والمراد بالكتاب: الإيمان بأن الله كتب ما سبق به علمه من مقادير الخلائق إلى يوم القيامة في اللوح المحفوظ. قال ربنا: {وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} سورة يس 12. أي: وكل شيء أحصيناه في كتاب واضح وهو اللوح المحفوظ. وروى مسلم في صحيحه عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة». والتقدير أزلي، لكن المقصود في الحديث: الكتابة في اللوح المحفوظ.
  9. والمراد بالمشيئة: لأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حركة، ولا سكون، ولا هداية، ولا إضلال ولا شيء إلا بمشيئته. قال الشافعي رحمه الله:

وما شئتَ كان وإن لم أشأْ*وما شئتُ إن لم تشأْ لم يكنْ

خلقتَ العباد على ما علمتَ* وفي العلم يجري الفتى والمسنْ

على ذا مننتَ وهذا خذلتَ*وهذا أعنت وذا لم تُعِنْ

فمنهم شقيٌّ ومنهم سعيد*ومنهم قبيح ومنهم حسنْ

  1. والمراد بالخلق: أن جميع الكائنات مخلوقة لله بذواتها، وصفاتها، وحركاتها، وبأن كل من سوى الله مخلوق مُوْجَدٌ من العدم، كائن بعد أن لم يكن.
  2. الإرادة إرادتان: كونية وشرعية. والفرق بينهما أن الكونية لابد من وقوعها، وتكون فيما يحبه الله وفيما لا يحبه، وأما الشرعية فلا تكون إلا فيما يحبه، وقد تقع وقد لا تقع.
  3. للعبد قدرة واختيار ومشيئة، وهي مخلوقة لله لأن الله خلق صاحبها، فكل ما يكون منه مخلوق لله. بل إن المكره في الإسلام معذور.
  4. فعل الأسباب لا ينافي التوكل على الله.
  5. لا يسوغ الاحتجاج بالقدر على ترك واجب أو فعل محرم: لما يلي:
  • قال الله تعالى: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} سورة الأنعام: 148
  • لو كان الاحتجاج بالقدر سائغا لكان إبليس معذورا.
  • ولكان دخول النار للكفار ظلما.
  • والقدر سرٌّ مكتوم، لا يعلمه أحد من الخلق إلا بعد وقوعه، وإرادة العبد لما يفعله سابقة لفعله، فتكون إرادته للفعل غير مبنية على علمٍ بقدر الله، فادعاؤه أن الله قدَّر عليه كذا وكذا ادِّعاءٌ باطل؛ لأنه ادعاءٌ لعلم الغيب، والغيب لا يعلمه إلا الله، فحجَّته إذاً داحضة؛ إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه.
  • ولماذا لا يحتج بالقدر في أمر الدنيا؟
  • وهل يرضى أحد أن يُضرب ثم يحتج الضارب بالقدر؟
  1. يسوغ الاحتجاج بالقدر في المصائب لا المعايب.
  2. لا يخلق الله شراً محضاً.
  3. هل الإنسن مسير أم مخير؟ الأولى أن يقال هل له قدرة واختيار أم لا، فهو مسير في أشياء، ومخير في أشياء، وكل شيء بقدر.
  4. لا يضل لله أحداً ابتداء، {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم}
  5. والله يعلم وأنتم لا تعلمون. فبعض الأشياء نكرهها وهي خير

قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} .

وقال: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} .

هذا حال المجاهد قبل أن يخوض غمار الحرب..

فما حاله بعد أن يخوضها ويفوز بالشهادة في سبيل الله؟

يحدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى» متفق عليه.

عجيب! يكره القتال، فلما نظر إلى كرامة الله للشهداء تمنى أن يعود إلى الدنيا ليقتل مرة أخرى!!

ويدل لهذا المعنى:

حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ». قَالَتْ عَائِشَةُ: إِنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ. قَالَ: «لَيْسَ ذَاكِ! وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ، فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إِذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ، فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إِلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ،كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ».

وحادثة الإفك دليل على ذلك

فلقد كان أمرها مكروهاً إلى الصديقة رضي الله عنها، فلما نزلت آيات براءتها في كتاب ربها كان هذا المكروه إليها خيرا من الدنيا وما فيها.

ويقال مثله في شأن الثلاثة الذين خُلِّفوا وضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم

فلما كانت توبتهم قرآنا كان البلاء أغلى عندهم من كل شيء، وقد كان مكروها أول مرة.

وتأمل في هذا الحديث لتعلم أن خيرة الله لنا خير من خيرة أنفسنا..

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ» رواه الترمذي.

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ثمرات الإيمان بالقدر

  1. صحة الإيمان؛ لحديث جبريل عليه السلام.
  2. الهداية. قال تعالى: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [سورة التغابن: 11]. قال علقمة: “هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من قِبِلِ الله تعالى فيسلِّم ويرضى”.
  3. الكفر بالدجل والشعوذة.
  4. النجاة من الحسد.
  5. الحصول على الأجر الكبير، قَالَ تَعَالَى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِين * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعون * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُون} [البقرة: 155-157]
  6. غنى النفس، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ».
  7. عدم الخوف من ضرر البشر، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ ابنِ عَبَّاسٍ رضي اللهُ عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتِ الصُّحُفُ». وقال ابن تيمية رحمه الله عندما سجن: “ما يصنع أعدائي بي؛ أنا جنتي وبستاني في صدر،؛ أين رُحْت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة”([1]).
  8. عدم الندم على ما فات، والتحسر على الماضي، روى مسلم في صحيحه مِن حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: “الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
  9. النجاة من النار، روى أبو داود في سننه مِن حَدِيثِ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ رضي اللهُ عنه: رَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى اللهُ عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: “لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ.
  10. مراقبة الله تعالى؛ لأن الإيمان بعلم الله تعالى المحيط بكل شيء من مراتب القدر.
  11. صحة التوكل على الله.
  12. كثرة الرجوع والتوبة؛ لعلمه أن الاحتجاج بالقدر في المعايب لا يسوغ.
  13. الاطمئنان إلى أن رزق الله لن يخطأك. حديث الراية.
  14. الصبر.
  15. عزة النفس وعدم التملق.
  16. أن لا يعجب المرء بنفسه عند حصول مراده، لأن حصوله نعمة من الله تعالى، بما قدره من أسباب الخير، والنجاح، وأعجابه بنفسه ينسيه شكر هذه النعمة.

 

قصة وعبرة:

“يقول بودلي: =في عام 1918 ولَّيت ظهري العالمَ الذي عرفته طيلة حياتي، ويممت شطر أفريقيا الشمالية الغربية، حيث عشت بين الأعراب في الصحراء، وقضيت هناك سبعة أعوام، أتقنت خلالها لغة البدو، وكنت أرتدي زيهم، وآكل من طعامهم، وأتخذ مظاهرهم في الحياة، وغدوت مثلهم أمتلك أغناماً، وأنام كما ينامون في الخيام، وقد تعمقت في دراسة الإسلام، حتى إنني ألفت كتاباً عن محمد ” عنوانه (الرسول) وكانت تلك الأعوام السبعة التي قضيتها مع هؤلاء البدو الرُّحَّل من أمتع سني حياتي، وأحفلها بالسلام، والاطمئنان، والرضا بالحياة.

وقد تعلمت من عرب الصحراء كيف أتغلب على القلق؛ فهم بوصفهم مسلمين يؤمنون بالقضاء والقدر، وقد ساعدهم هذا الإيمان على العيش في أمان، وأَخْذِ الحياة مأخذاً سهلاً هَيِّنَاً، فهم لا يتعجلون أمراً، ولا يلقون بأنفسهم بين براثن الهم قلقاً على أمر.

إنهم يؤمنون بأن ما قُدِّر يكون، وأن الفرد منهم لن يصيبه إلا ما كتب الله له.

وليس معنى هذا أنهم يتواكلون أو يقفون في وجه الكارثة مكتوفي الأيدي، كلَّا.

ثم أردف قائلاً: ودعني أضرب لك مثلاً لما أعنيه: هَبَّتْ ذات يوم عاصفةٌ عاتيةٌ حملت رمال الصحراء وعبرت بها البحر الأبيض المتوسط، ورمت بها وادي (الرون) في فرنسا، وكانت العاصفة حارةً شديدةِ الحرارة، حتى أحسست كأن رأس شعري يتزعزع من منابته؛ لفرط وطأة الحر، وأحسست من فرط القيظ كأنني مدفوع إلى الجنون.

ولكنَّ العربَ لم يشْكُوا إطلاقاً، فقد هزوا أكتافهم، وقالوا كلمتهم المأثورة: =قضاء مكتوب+.

لكنهم ما إن مرت العاصفة حتى اندفعوا إلى العمل بنشاط كبير، فذبحوا صغار الخراف قبل أن يودي القيظ بحياتها، ثم ساقوا الماشية إلى الجنوب نحو الماء.

فعلوا هذا كله في صمت وهدوء، دون أن تبدو من أحدهم شكوى.

قال رئيس القبيلة الشيخ: لم نفقد الشيء الكبير؛ فقد كنا خليقين بأن نفقد كل شيء، ولكن حمداً لله وشكراً؛ فإن لدينا نحو أربعين في المائة من ماشيتنا، وفي استطاعتنا أن نبدأ عملنا من جديد.

ثم قال بودلي: وثمة حادثة أخرى، فقد كنا نقطع الصحراء بالسيارة يوماً، فانفجر أحد الإطارات، وكان السائق قد نسي استحضار إطار احتياطي، وتولاني الغضب، وانتابني القلق والهم، وسألت صحبي من الأعراب: ماذا عسى أن نفعل؟.

فذكروني بأن الاندفاع إلى الغضب لن يجدي فتيلاً، بل هو خليق أن يدفع الإنسان إلى الطيش والحمق.

ومن ثم درجت بنا السيارة وهي تجري على ثلاث إطارات ليس إلا، ولكنها ما لَبِثَتْ أن كفَّت عن السير، وعَلِمْتُ أن البنزين قد نفد.

وهنالك أيضاً لم تَثُرْ ثائرةُ أحدٍ من رفاقي الأعراب، ولا فارقهم هدوؤهم، بل مضوا يذرعون الطريق سيراً على الأقدام.

وبعد أن استعرض بودلي تجربته مع عرب الصحراء علق قائلاً: =قد أقنعتني الأعوام السبعة التي قضيتها في الصحراء بين الأعراب الرُّحل _ أن الملتاثين، ومرضى النفوس، والسِّكِّيرين الذي تحفل بهم أمريكا وأوربا ما هم إلا ضحايا المدنية التي تتخذ السرعة أساساً لها.

إنني لم أعانِ شيئاً من القلق قط وأنا أعيش في الصحراء، بل هنالك في جنة الله وجدت السكينة، والقناعة، والرضا.

وأخيراً ختم كلامه بقوله: وخلاصة القول: أنني بعد انقضاء سبعة عشر عاماً على مغادرتي الصحراء  ما زلت أتخذ موقف العرب حيال قضاء الله، فأقبل الحوادث التي لا حيلة لي فيها بالهدوء والامتثال والسكينة.

ولقد أفلحت هذه الطباع التي اكتسبتها من العرب في تهدئة أعصابي أكثر مما تفلح آلاف المسكِّنات والعقاقير الطبية” [دع القلق وابدأ الحياة، ديل كارنيجي ص291_295].

رب صل وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

 

([1]) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 2/402، وانظر الوابل الصيب ص69.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ثلاثة عشر + 15 =

شاهد أيضاً

إغلاق