خطب منبرية مفرغةمقالات

رسائل الغلاء

بسم الله الرحمن الرحيم

رسائل الغلاء

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد

فإن غلاء الأسعار من المصائب التي عمَّت بها البلوى في زماننا هذا، ولا ريب أنه من صور البلاء. وأصل هذه المادة ثلاث خطب بدأت في خطبة 18 ربيع الآخر 1439هـ، والله تعال أسأل أن ينفع بها.

من آثار الغلاء

فشو الفقر، وإثقال كواهل الناس بالديون، وكثرة السرقة والجريمة والاحتيال الحسد، إلى غير ذلك من الآثار السيئة.

محاربة الإسلام للغلاء

مما يبين ذلك ثلاثة أشياء:

1/ النهي عن الغش.

فبالغش تباع السلعة المعيبة بأغلى من ثمنها.

2/ النهي عن النجش.

وهو أن يزايد في سعر السلعة بدون رغبة في الشراء، فبيع المزايدة مشروع فعله نبينا صلى الله عليه وسلم، أما أن يغالي أحد في الثمن وهو لا يريد شراء السلعة فهذا محرم بحديث متفق عليه: «ولا تناجشوا».

3/ النهي عن الاحتكار.

  الغلاء بلاء قديم

قال أبو المحاسن يوسف بن عبد الله الظاهري رحمه الله في أحداث عام 334هـ: “وفيها عظم الغلاء ببغداد في شعبان، وأكلوا الجيف والرّوث ،وماتوا على الطّرق، وأكلت الكلاب لحومهم، وبيع العقار بالرُّغفان (أرغفة الخبز)، ووجدت الصغار مشويّة مع المساكين، وهرب الناس إلى البصرة وواسط فمات خلق في الطّرقات” [النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة (3/ 286)].

في كتابه: “النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة”،  أنه في أواخر عهد بني العباس عظم الغلاء ببغداد في شعبان حتى أكلوا الجيف والروث، وماتوا على الطرق، وأكلت الكلاب، وبيع العقار بالرُّغْفان -أرغفة الخبز-، وهرب الناس إلى بلدان أخرى، فماتوا في الطريق.

وقال في ذكر ولاية المستنصر بالله على مصر: “والغلاء بمصر يتزايد، حتّى إنّه جلا من مصر خلق كثير لما حصل بها من الغلاء الزائد عن الحدّ، والجوع الذي لم يعهد مثله فى الدنيا، فإنّه مات أكثر أهل مصر، وأكل بعضهم بعضا. وظهروا على بعض الطبّاخين أنّه ذبح عدّة من الصّبيان والنساء وأكل لحومهم وباعها بعد أن طبخها. وأكلت الدوابّ بأسرها” [النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة (5/ 15)].

رسائل المسؤولين

1/ ادعموا الإنتاج

وهذا مما عني به نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو من أنجع سبل محاربة الغلاء.

فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه  أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ، فَقَالَ: «لَكَ فِي بَيْتِكَ شَيْءٌ»؟ قَالَ: بَلَى حِلْسٌ (قماش معين) نَلْبَسُ بَعْضَهُ وَنَبْسُطُ بَعْضَهُ، وَقَدَحٌ نَشْرَبُ فِيهِ الْمَاءَ. قَالَ: «ائْتِنِي بِهِمَا». فَأَتَاهُ بِهِمَا، فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: «مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ»؟ فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ. قَالَ: «مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ»؟ (وهذا دل على جواز بيع المزايدة)، فقال رَجُلٌ: أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا إِيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ: «اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إِلَى أَهْلِكَ، وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا (فأساً)، فَأْتِنِي به». فجاء بالقَدُوم إليه، فشد النبي صلى الله عليه وسلم عليه العصى، وقال: «اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَلَا أَرَاكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا». فَجَعَلَ يَحْتَطِبُ وَيَبِيعُ، فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، فَقَالَ: «اشْتَرِ بِبَعْضِهَا طَعَامًا، وَبِبَعْضِهَا ثَوْبًا، هَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَجِيءَ وَالْمَسْأَلَةُ نُكْتَةٌ فِي وَجْهِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه ابن ماجه.

ومما يبين عناية نبينا صلى الله عليه وسلم بأمر الزراعة جاء قوله: «لاَ يَغْرِسُ مُسْلِمٌ غَرْسًا وَلاَ يَزْرَعُ زَرْعًا فَيَأْكُلَ مِنْهُ إِنْسَانٌ وَلاَ دَابَّةٌ وَلاَ شيء إِلاَّ كَانَتْ لَهُ صَدَقَةٌ» رواه مسلم. وقال: «إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة, فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» رواه أحمد. والفسيلة النبتة الصغيرة.

فأين هذا من تضييع مشروع الجزيرة؟!!

يؤكد لي بروفيسور في الزراعة في جامعة الخرطوم أن الدولة لو اتجهت اتجاهاً صحيحاً إلى الزراعة فإنه بعد خمسة أعوام فقط لن يبقى سوداني فقيراً. فماذا يمنعنا منها!!؟ أين الإشكال في أمر الزراعة؟! بلادٌ حباها الله بنيل عظيم يجري من جنوبها إلى شمالها، وأرضٍ خصبة مهيأة، ومع ذلك لا يهتم المسؤولون فيها بالزراعة بالصورة المطلوبة التي تحقق الاكتفاء والغنى لأهلها.

كيف يتم دعم الدولة للإنتاج.

من المعلوم أن كثرة الإنتاج يرقى بالدلة لتكون في قائمة الدول المصدرة لما تنتجه، وإذا صدرت الدولة أكثر مما تستورد أدى ذلك إلى وفرةٍ كبيرةٍ في العملات الأجنبية، وإنعاش اقتصادها.

كيف يتم دعم الدولة للإنتاج.

الإجابة عن هذا في نقطتين:

1/ توفير أدوات وآليات الإنتاج.

2/ عدم إثقال كاهل المنتجين بالضرائب.

وفي هذا الشهر ارتفع سعر الدولار الجمركي من 6.9 إلى ثمانية عشر جنيهاً، وهذا له آثاره الكارثية على المرضى الذين ينتظرون دواءهم من الخارج وعلى جميع الناس.

وقد تقرَّر في الشريعة أن الضرائب والجمارك شر من الزنا.

ففي صحيح مسلم، أن خالداً لما سب الغامدية التي رجمها نبينا صلى الله عليه وسلم في الزنا قال له: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ»، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَصَلَّى عَلَيْهَا، وَدُفِنَتْ.

وَالْمَاكِسُ: هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ مِنْ أَمْوَال النَّاسِ شَيْئًا مُرَتَّبًا فِي الْغَالِبِ، وَيُقَال لَهُ الْعَشَّارُ [الموسوعة الفقهية الكويتية (38/ 377)]. وهذا يتناول من يأخذ الضرائب والجمارك.

قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مَكْسٍ»  رواه الامام أحمد في مسنده.

وقال: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ» أخرجاه في الصحيحين. وهذا من الأدلة على تحريم الضرائب والعوائد والجمارك، وكل مال أخذ بغير وجه حق فهو مكس وضريبة.

فهل معنى ذلك أن الضرائب لا تجوز مطلقاً؟

الجواب: لا، تجوز بشروط، وهي:

1- أن تكون عادلة, بحيث توزع على الناس بالعدل, فلا ترهق بها طائفة دون طائفة، بل تكون على الأغنياء، كل شخص على حسب غناه، ولا يجوز أن تفرض على الفقراء، ولا أن يسوى فيها بين الفقراء والأغنياء.

2- أن خزينة الدولة فارغة, أما إذا كانت الدولة غنية بمواردها, فلا يجوز فرض تلك الضرائب على الناس، وهي حينئذ من المكوس المحرمة، والتي تعد من كبائر الذنوب.

3- أن يكون ذلك في حالات استثنائية لمواجهة ضرورةٍ ما، ولا يجوز أن يكون ذلك نظاماً مستمراً في جميع الأوقات.

2/ امنعوا الصرف الحكومي البذخي.

سيارات فارهة، ومخصصات كبيرة، وحوافز ضخمة، وبدلات فلكية، ومسؤولون بدون أعباء عينوا لترضيات سياسية يمكن الاستغناء عنهم وتوفير رواتبهم ومخصصاتهم. وغير ذلك مما لم أذكره.

في تاريخ الخلفاء (ص: 103) قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما ولي الخلافة: “إنه لا يحل لعمر من مال الله إلا حلتين: حلة للشتاء، وحلة للصيف، وما أحج به وأعتمر، وقوتي وقوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم ولا بأفقرهم، ثم أنا بعد رجل من المسلمين”.

“وكان عمر رضي الله عنه إذا استعمل عاملاً كتب له، واشترط عليه ألا يركب برذونًا، ولا يأكل نقيًا، ولا يلبس رقيقًا، ولا يغلق بابه دون ذوي الحاجات، فإن فعل فقد حلت عليه العقوبة” [تاريخ الخلفاء (ص: 103)].

والبرذون مفرد البراذين، وهي خيل عظيمة الِخلقة.

فكيف لو رأى الفاروق رضي الله عنه ما يركبه المسؤولون اليوم من العربات الفارهة التي لا نحسن كتابةَ أصفارِ أرقام مبالغها!!؟

قال عكرمة بن خالد وغيره: “إن حفصة وعبد الله وغيرهما كلموا عمر، فقالوا: لو أكلت طعامًا طيبًا كان أقوى لك على الحق، قال: أكلكم على هذا الرأي؟ قالوا: نعم، قال: قد علمت نصحكم، ولكني تركت صاحبي على جادة، فإن تركت جادتهما لم أدركهما في المنزل” [تاريخ الخلفاء (ص: 103)].

وروى عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد: “أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم الشام؛ تلقاه أبو عبيدة وهو أميره على الشام، فسايره حتى دخل عمر منزل أبي عبيدة، فقلب عمر بصره في بيت أميره؛ فلم ير فيه شيئاً سوى سيفه وترسه ورحله، فقال له عمر، أين متاعك؟ قال أبو عبيدة: هذا يبلغنا المقيل. ثم إن عمر بكى وقال: كلنا غرتنا الدنيا غير أبي عبيدة؛ فإنه أخذ بزمام نفسه عنها”.

وفيه أيضاً: “أن عمر رضي الله عنه أرسل إلى أبي عبيدة وهو أمير على الشام بأربعة آلاف درهم أو أربع مئة دينار، وقال عمر لرسوله: انظر ما يصنع بها أبو عبيدة. فعندما وصلت إليه؛ فرقها على المساكين والأيتام ولم يبق له منها شيئاً، فلما بلغ عمر ما صنع بها؛ قال: الحمد لله الذي جعل من المسلمين من يصنع بمثل هذا”.

والإنسان إذا أسرف في ماله كان من إخوان الشياطين، قال ربنا: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا} [الإسراء: 27]، وأما المسؤول الذي يسرف في مال شعبه فهو من الشياطين أنفسهم. وحد الإسراف: الصرف فيما لا يحتاج الإنسان إليه، هذا في مال الإنسان، فكيف بإسرافه في مال غيره. والمسؤول كالعبد الذي يعمل لسيده، فإنهم أجراء عندنا.

في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 125) “دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَجِيرُ. فَقَالَ النَّاسُ: بل الْأَمِير يَا أَبَا مُسْلِمٍ (وحول كل حاكم جماعة من المنافقين إلا ما رحم ربك)، ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَجِيرُ. فَقَالَ النَّاسُ: الْأَمِيرُ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: دَعُوا أَبَا مُسْلِمٍ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: إِنَّمَا مَثَلُكَ مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَوَلَّاهُ مَاشِيَتَهُ، وَجَعَلَ لَهُ الْأَجْرَ عَلَى أَنْ يُحْسِنَ الرَّعِيَّةَ وَيُوَفِّرَ جَزَازَهَا وَأَلْبَانَهَا، فَإِنْ هُوَ أَحْسَنَ رَعِيَّتَهَا وَوَفَّرَ جَزَازَهَا حَتَّى تَلْحَقَ الصَّغِيرَةُ، وَتَسْمَنَ الْعَجْفَاءُ، أَعْطَاهُ أَجْرَهُ وَزَادَهُ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً، وَإِنْ هُوَ لَمْ يُحْسِنْ رَعِيَّتَهَا، وَأَضَاعَهَا حَتَّى تَهْلَكَ الْعَجْفَاءُ، وَتَعْجَفَ السَّمِينَةُ، وَلَمْ يُوَفِّرْ جَزَازَهَا وَأَلْبَانَهَا غَضِبَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَجْرِ فَعَاقَبَهُ وَلَمْ يُعْطِهِ الْأَجْرَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا شَاءَ اللهُ كَانَ”.

3/ اقتدوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع الأزمات الاقتصادية

لما  شكا الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم الجوع وحسروا عن بطونهم عن حجر حجر، رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجريْن.

كان الحاكم الأول رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط على بطنه الحجر من الجوع.

في الصحيحين عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الْهِلَالِ، ثُمَّ الْهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللَّهِ نَارٌ. فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتْ: الْأَسْوَدَانِ؛ التَّمْرُ وَالْمَاءُ.

كان نبينا صلى الله عليه وسلم كان لا يَجِدُ مِنْ الدَّقَلِ مَا يَمْلَأُ بِهِ بَطْنَهُ، والدقل رديء التمر. رواه مسلم.

ولذا صبر الصحابة على مر القضاء؛ لأن حاكمهم ونبيهم عليه السلام كان أسوة لهم.

إني لأتعجب ممن يأمر رعيته في هذه البلاء بالصبر، فأين أنت مما تأمر الناس به!؟

4/ حاربوا فسادكم المالي

ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قَالَ: قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ فَذَكَرَ الْغُلُولَ فَعَظَّمَهُ وَعَظَّمَ أَمْرَهُ ثُمَّ قَالَ: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ، يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ نَفْسٌ لَهَا صِيَاحٌ، فَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا، قَدْ أَبْلَغْتُكَ. لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ، فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي! فَأَقُولُ: لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ». فهذا مما يبين لنا عناية نبينا صلى الله عليه وسلم بمكافحة الفساد وتحذير عمَّاله منه.

وفي الصحيحين عن أبي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ رضي الله عنه قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسْدٍ عَلَى صَدَقَةٍ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي يَقُولُ: هَذَا لَكَ وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ أَمْ لا؟! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَأْتِي بِشَيْءٍ إِلا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ إِبْطَيْهِ: أَلا هَلْ بَلَّغْتُ-ثَلاثًا-».

5/ لا تنزع الرحمة إلا من شقيّ

إنَّ الذي خلا قلبه من الرحمة والشفقة شقيٌّ بعيد عن الله تعالى، واسمع إلى نبيك صلى الله عليه وسلم وهو يقول فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه: «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» أبو داود.

وكيف لا يكون شقيا وقد حُرم رحمة الله؟

فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس» رواه البخاري ومسلم.

ولهما أيضاً: «مَنْ لا يَرْحَمْ لاَ يُرْحَمْ».

وفي سنن أبى داود، عَنْ أَبِي صِرْمَةَ صَاحِبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ ضَارَّ أَضَرَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ.

وفي سنن الترمذي، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِنًا أَوْ مَكَرَ بِهِ».

6/ احذروا من دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم عليكم

حقيق بنا تذكير كل مسؤول بهذه الدعوة النبوية التي تفتح لها أبواب السماء، «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» رواه مسلم.

اللهم ول علينا خيارنا، ولا تول علينا شرارنا.

7/ الربا دمار للعباد والبلاد

كم من المشاريع في هذه البلاد أقيمت بقروض ربوية!! وهل يشك أحد في عاقبة الربا؟

قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا} [البقرة: 276]، وهذه الآية فيها تأويلان، أحدهما: يمحق الله أهله، ويستأصل شأفتهم، ويقصم ظهرهم.

وقال الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة/278، 279].

وليس في الإسلام جريمة جاء فيها هذا الوعيد سوى الربا.

ومعنى الآية: فإن لم ترتدعوا عما نهاكم الله عنه فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله.

وثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله» رواه أبو يعلى بإسناد جيد.

والمرابي يعامله الله بنقيض قصده وذهاب بركة ماله

قال الله: {يمحق الله الربا} ففيها قولان كما مرَّ معنا، قيل: يذهب به، وقيل: بأهله.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة» رواه ابن ماجه والحاكم. وفي لفظ له: «الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قلة».

8/ إن لمن تحكمون لحرمةً عظيمةً عند الله فاحذروا غضبه!

في سنن ابن ماجه، قل عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، وَيَقُولُ: «مَا أَطْيَبَكِ وَأَطْيَبَ رِيحَكِ، مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنْكِ، مَالِهِ، وَدَمِهِ، وَأَنْ نَظُنَّ بِهِ إِلَّا خَيْرًا».

وتأملوا هذا الحديث عن نبينا صلى الله عليه وسلم: « مَنْ آذَى المسلمين في طرقِهِمْ وجَبَتْ عليه لعْنتهم» رواه الطبراني. هذا فيمن آذى المسلمين في طريق يمرون به، فكيف بمن ضيق عليهم في معيشتهم!!؟

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ ظلمَ معاهَدًا أو انتقصَه أو كلَّفهُ فوقَ طاقتِه أو أخذَ منه شيئا بغير طيب نفسه فَأنا حجِيجُهُ يومَ القيامة» رواه أبو داود بإسناد صحيح. فإذا ورد هذا الحديث في شأن كافرٍ، فكيف بالمسلم؟!

وفي صحيح مسلم، أَنَّ عَائِذَ بْنَ عَمْرٍو، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى عُبَيْدِ اللهِ بْنِ زِيَادٍ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ الرِّعَاءِ الْحُطَمَةُ، فَإِيَّاكَ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ»، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَإِنَّمَا أَنْتَ مِنْ نُخَالَةِ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: «وَهَلْ كَانَتْ لَهُمْ نُخَالَةٌ؟ إِنَّمَا كَانَتِ النُّخَالَةُ بَعْدَهُمْ، وَفِي غَيْرِهِمْ»

والحطمة هو العنيف برعاية الإبل في السوق والإيراد والإصدار، يلقى بعضها على بعض ويعسفها ضربه. والنخالة: الحثالة، والمراد: نفي كونه من فضلائهم وعلمائهم وأهل المراتب منهم.

9/ أين أنتم من الإدارة العمرية للأزمة الاقتصادية؟!!

كيف أدار عمر الفاروق رضي الله عنه الأزمة الاقتصادية في زمنه؟

أولاً: حث الناس على كثرة الصلاة والدعاء واللجوء إلى الله، وكان يصلي بالناس العشاء، ثم يخرج حتى يدخل بيته، فلا يزال يصلي حتى يكون آخر الليل، ثم يخرج فيأتي الأنقاب –أطراف المدينة – فيطوف عليها ويقول في السحر: اللهم لا تجعل هلاك أمة محمد على يدي.

ويقول: اللهم لا تهلكنا بالسنين –يعني القحط- وارفع عنا البلاء، يردد هذه الكلمة.

ثانياً: كتب إلى عماله على الأمصار طالباً الغوث.

ثالثاً: أخذ على نفسه ألا يقرب سمناً ولا سميناً حتى يشبع الناس، فمن من المسؤولين أخذ ذلك على نفسه في مختلف الأزمات التي مرت بها هذه البلاد!!؟

كان بطن عمر يقرقر عام الرمادة، وكان يأكل الزيت، ولا يأكل السمن، فقرقر بطنه فنقرها بأصبعيه، وقال: “قرقري أو لا تقريري، والله ليس لكِ عندنا سوى الزيت حتى يشبع الناس”.

وقال أسلم: كنا نقول: لو لم يرفع الله المحنة عام الرمادة؛ لظننّا أن عمر يموت هماً بأمر المسلمين.

ثم يقوم -رضي الله عنه- بوعظ الناس وينادي: أيها الناس، استغفروا ربكم ثم توبوا إليه، وسلوه من فضله، واستسقوا سقيا رحمة.

واستسقى بدعاء العباس رضي الله عنهما.

فحري بالمسؤولين أن يسلكوا سبيله، فهذا خير من أن يسلكون سبيل ميري إنطونيت ملكة فرنسا وزوجة الملك لويس السادس عشر التي تنسب لها المقولة المشهورة “إذا لم يكن هناك خبزٌ للفقراء فليأكلوا كعكاً”!!

10/ تسعير السلع والبيع بالبطاقات في مراكز معينة مما يسهم في محاربة جشع التجار

والمراد بالتسعير هنا: تقدير السلطان أو نائبه سعراً، وإجبار الناس على التبايع به.

فإذا كان الناس يبيعون سلعتهم على الوجه المعروف من غير ظلم منهم، وقد ارتفع السعر: إما لقلة العرض، وإما لكثرة الطلب فهذا إلى الله، فالتسعير هنا ظلم، أما إذا تدخلت في السوق عوامل غير طبيعية كاحتكار السلع جاز التسعير.

وهذا مذهب الأحناف، وبه قال بعض المالكية كما في التاج والإكليل: (6/254)، ونصره شيخ الإسلام.

أما حديث أنس رضي الله عنه: قال الناس: يا رسول الله غلا السعر فسعِّر لنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر، القابض، الباسط، الرازق، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبني بمظلمة في دم ولا مال» رواه أبو داود.

فيقال في رد الاستدلال به على المنع المطلق:

صورة الحديث فيما إذا كان الغلاء طبيعياً وليس بسبب التجار، وما كان كذلك فلا تسعير فيه باتفاق.

قال ابن تيمية رحمه الله: “ومن منع التسعير مطلقاً محتجاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله هو المسعر»، الحديث فقد غلط، فإن هذه قضية معينة وليست لفظاً عاماً، وليس فيها أن أحداً امتنع من بيع يجب عليه، أو عمل يجب عليه، أو طلب في ذلك أكثر من عوض المثل” [الفتاوى 28/95].

رسائل الغلاء إلى التجار

إن جشع التاجر من أسباب الغلاء، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن التجار يبعثون يوم القيامة فجاراً إلا من اتقى الله وبر وصدق» رواه الترمذي. وقال: «التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء» رواه الترمذي.

وإن من أخلاق الإسلام التي يتعين على التاجر أن يعنى بأن يكون من أهلها: السماحة.

ففي صحيح البخاري، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا سَمْحًا إِذَا بَاعَ، وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى».

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ رَجُلًا لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ، وَكَانَ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَيَقُولُ لِرَسُولِهِ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ وَتَجَاوَزْ، لَعَلَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَمَّا هَلَكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ قَالَ: لَا. إِلَّا أَنَّهُ كَانَ لِي غُلَامٌ وَكُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا بَعَثْتُهُ لِيَتَقَاضَى قُلْتُ لَهُ: خُذْ مَا تَيَسَّرَ، وَاتْرُكْ مَا عَسُرَ، وَتَجَاوَزْ لَعَلَّ اللَّهَ يَتَجَاوَزُ عَنَّا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ تَجَاوَزْتُ عَنْكَ» رواه البخار ومسلم والنسائي، وهذا لفظ النسائي.

وغش التاجر من أسباب الغلاء.

ولقد مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على صُبْرَة طعام (كوم) فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللاً، فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام»؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: «أفلا جعلته فوق الطعام؛ كي يراه الناس؟، من غش فليس مني» رواه مسلم.

واحتكارهم للسلع من أسباب الغلاء

ثبت عن معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحتكر إلا خاطئ» رواه مسلم.

قال الشوكاني رحمه الله تعالى: “وظاهر الأحاديث أن الاحتكار محرم من غير فرق بين قوت الآدمي والدواب وبين غيره، والتصريح بلفظ الطعام في بعض الروايات لا يصلح لتقييد بقية الروايات المطلقة، بل هو من التنصيص على فرد من الأفراد التي يطلق عليها المطلق” [نيل الأوطار (5/262)]. فاحتكار الأدوية على سبيل المثال شر وأعظم إثما من احتكار كثير من أنواع الأطعمة. وقال الرملي الشافعي: “ينبغي أن يجعلوه في كل ما يحتاج إليه غالباً من المطعوم والملبوس” [حاشيته على أسنى المطالب (2/39)].

وهذه نماذج لتجار راقبوا الله تعالى في تجاراتهم، وتعاملوا مع الناس بالسماحة والصدق:

قحط الناس في زمن أبي بكر رضي الله عنه، فقدمت لعثمان رضي الله عنه قافلة من ألف راحلة من البر والطعام، فغدا التجار عليه، فخرج إليهم فقال: ماذا تريدون؟ قالوا: بلغنا أنه قدم لك ألف راحلة براً وطعاماً، بعنا حتى نوسع على فقراء المدينة. فقال لهم: ادخلوا فدخلوا. فقال: كم تربحوني على شرائي؟ قالوا: العشرة اثنا عشر. قال: قد زادوني. قالوا: العشرة أربعة عشر. قال: قد زادوني. قالوا: العشر خمسة عشر. قال: قد زادوني. قالوا: من زادك ونحن تجار المدينة؟. قال: زادني بكل درهم عشرة عندكم زيادة؟. قالوا: لا. قال: فأشهدكم معشر التجار أنها صدقة على فقراء المدينة.

وجاء عن محمد بن المنكدر رحمه الله أنه كان له سلعٌ تباع بخمس وأخرى بعشرة، فباع غلامه في غيبته شيئاً مما يباع بخمسٍ بعشرة، فلما عرف لم يزل يطلب ذلك المشتري طول النهار حتى وجده، فقال له: إن الغلام قد غلط فباعك ما يساوي خمسة بعشرة. فقال: يا هذا قد رضيت. قال: وإن رضيت فإنا لا نرضى لك إلا ما نرضاه لأنفسنا، فاختر إحدى ثلاث: إما أن تستعيد مالك وتعيد السلعة، وإما أن نرد إليك خمسة، وإما أن تأخذ بدلاً من سلعة الخمس سلعة العشر. فقال: أعطني خمسة. فرد عليه خمسة، وانصرف الأعرابي المشتري يسأل ويقول: من هذا الشيخ؟ فقيل له: هذا محمد بن المنكدر. فقال: لا إله إلا الله، هذا الذي نستسقي به في البوادي إذا أصابنا قحط.

وكان أبو حنيفة رحمه الله بزازاً يبيع القماش، وكان عنده ثوبٌ فيه عيب، فجعله جانباً، فجاء خادمه في غيبته فباع الثوب المعيب بقيمته كما لو كان سليماً، فلما جاء الإمام إلى محله وسأل عن ذلك الثوب قال الغلام: بعته. قال: بكم؟. قال: بكذا –أي: بسعر السليم-. قال: هل أطلعت المشتري على العيب الذي فيه؟ قال: لا. فتصدق بقيمة الثوب كلِّه.

رسائل الغلاء إلى المواطنين

1/ الصبر عبادة الصديقين

قال تعالى: }وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ{ [البقرة/45]، وقال: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ الله مَعَ الصَّابِرِينَ{[البقرة/153]، وفي آخر آل عمران: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ{. وأغلى ثمرة للصبر نيلُ معية الله، ومن كان الله معه فلن يضرَّه ما نزل به من بلاء كغلاء وغيره. قال تعالى: }إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{ [البقرة/ 153، والأنفال/ 46]. وقال: }والله مع الصابرين{ [البقرة/249، والأنفال/66].

ومن مجالات الصبر: الصبر على شظف العيش وضيق الحال:

قال تعالى: }وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ{[البقرة/177]. البأساء: الفقر، والضراء: المرض، حين البأس: عند مجابهة العدو.

2/ علينا بما قاله عم رسول الله صلى الله عليه وسلم

فإن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قَحَطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه، وكان يقول: اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا، فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون” رواه البخاري.

فماذا كان يقو عم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟

قال ابن حجر رحمه الله: “قد بين الزبير بن بكار في “الأنساب” صفة ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك، فأخرج بإسناد له أن العباس لما استسقى به عمر قال: “اللهم إنه لم ينزل بلاء إلا بذنب، ولم يكشف إلا بتوبة، وقد توجّه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذا أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، قال: فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض، وعاش الناس” [فتح الباري (3/150)].

والله يخبر عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه: }اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح/10، 12].

وقال هود عليه السلام: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} [هود: 52].

وأخبرنا ربنا سبحانه عن قول نبينا صلى الله عليه وسلم: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [هود: 3].

ولذا قيل لبعض السلف: ارتفعت الأسعار! فقال: أنزلوها بالاسغفار.

3/ مما ينصح به الناس في وقت الغلاء

ترشيد الاستهلاك، وعدم الإسراف، والقناعة بالقليل، وعدم تحميل النفس ما لا تطيق بشراء ما لا يتوفر سعره، والإعراض عما ارتفع سعره من المستهلكات التي يمكن الاستغناء عنها.

4/ أحسنوا الظن بالله

مما لا شك فيه أن كل مصيبة تهون إذا فوض الإنسان أمره فيها إلى الله، ولجأ إليه، وأحسن الظن به، فهذا مما يخفف من آثارها علينا، ولا تلبث أن يضمحل أمرها بذلك. قال ربنا: } وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ{ [الطلاق:3].

ولما كان الفقر والعوز من آثار الغلاء فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بعظيم أثر التوكل وحسن الظن بالله في محو ذلك، ثبت في جامع الترمذي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من نزلت به فاقةٌ فأنزلها بالناس لم تُسَدَّ فاقته، ومن نزلت به فاقة فأنزلها بالله فيوشك الله له برزق عاجل أو آجل». وفيه أيضاً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لو أنكم كنتم توكَّلون على الله حق توكله لرُزقتم كما يُرزق الطير تغدو خِماصا وتروح بِطانا».

ومما يحمل على حسن الظن بالله عند هذه الأزمات ثلاثة أمور:

أ/ أن من أحسن ظنه بالله أعطاه الله إيَّاه.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي» متفق عليه.

وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «والذي لا إله غيرُه، ما أعطي عبدٌ مؤمن شيئاً خيرا من حسن الظن بالله عز وجل. والذي لا إله غيره، لا يحسن عبد بالله عز وجل الظن إلا أعطاه الله عز وجل ظنه، ذلك بأنَّ الخير في يده» رواه ابن أبي الدنيا.

ومن عجيب ما قرأت في هذا الباب قول الزبير بن العوام لابنه عبد الله رضي الله عنهما: يا بني إن عجزت عن شيء من ديني فاستعن عليه مولاي. قال: فو الله ما دريت ما أراد حتى قلت: يا أبت من مولاك؟. قال: الله. قال: فو الله ما وقعت في كربة من دينه إلا قلت: يا مولى الزبير اقض عنه دينه فيقضيه. رواه البخاري.

ب/ أن الله وعد بالتيسير بعد التعسير، }فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا{ [الشرح/5،6]، ولن يغلب عسر يسرين.

ج/ أنَّه لا أرحم بالعباد من رب العباد. ثبت عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي غلبت غضبي» متفق عليه.

5/ رزق الله مكتوب، ولا يحول بينك وبينه غلاءٌ ولا غيرُه.

قال تعالى: }وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلا عَلَى الله رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ{ [هود/6]. فكل ما يدِبُّ على وجه الأرض تعهد الله تعالى برزقه.

وقال تعالى: }وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ{ [العنكبوت/60]. أي: لا تدَّخر غذاءها لغد، كما يفعل ابن آدم، فالله سبحانه وتعالى يرزقها كما يرزقكم. فنحن معطوفون في الرزق على الدواب، مع أن الإنسان هو الأصل، وهو المكرَّم، والعالم كلُّه خُلِق من أجلِه لخدمته، ومع ذلك لم يقُلْ سبحانه: نحن نرزقكم وإياهم، لماذا؟ قالوا: لأنك تظن أنها لا تستطيع أن تحمل أو تُدبِّر رزقها، ولا تتصرف فيه، فلفت نظرك إلى أننا سنرزقها قبلَك.

وقال تعالى: }وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ{ [الذاريات/22]. والمعنى: رزقكم من عند الله الذي في السماء.

وسمعتُ الشيخ ابن عثيمين رحمه الله يقول: حدَّثني من أثق به أنه كان في صحراء مكث فيها أياماً، فرأى فيها حيَّةً عظيمة عمياء، فكانت تخرج من جحرها في ساعة معينة تفتح فاها، فينزل إليها طعامُها، وذلك في كل يوم، وذلك في أشرطة شرح العقيدة الواسطية.

ألا يكفي لتثبيت الإيمان بهذه المسألة في قلوبنا قول ربنا: }وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ الله كُلا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ الله وَاسِعًا حَكِيمًا{ [النساء/130]؟ فإن المرأة ضعيفة، وفي غالب الأمر أنها حبيسة بيتها لا تعمل إلا عملها المبارك؛ رعاية زوجها وولدها، ورزق ربها لها كان من طريق زوجها، ومع ذلك يخبر الله تعالى أن الحياة إذا استحالت بين الزوجين فلا أحد يمسك عنها رزقها الذي قدره الله لها. والله يقول: }وَإِنْ يَمْسَسْكَ الله بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ{ [يونس/107].

قال صلى الله عليه وسلم: «إن روح القدس قد نفث في رُوْعِي (أي: قلبي) أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها، فاتقوا الله وأجملوا في الطلب؛ فإن ما عند الله لا ينال إلا بطاعته» رواه الطبراني والحاكم.

6/ إعمال أسباب البركة في الرزق من سبل مدافعة الغلاء؟

فليس الشأن أن يكثر مالك، وإنما الشأن أن يُباركَ لك فيه.

وإن من سبل ذلك:

أ/ صلة الرحم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يبسط له في رزقه، وينسأ له في أثره، فليصل رحمه» رواه البخاري ومسلم.

ب/ الدعاء بالبركة. وقد كان من دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم: «اللهمَّ بَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، اللهمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللهمَّ بَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، اللهمَّ اجْعَلْ مَعَ الْبَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ» رواه البخاري ومسلم.

ج/ الإنفاق. ولا يخفى دعاء الملك كل يوم يصبح فيه العباد: «اللهم أعط منفقاً خلفاً» رواه أحمد.

د/ الوقوف بجانب الضعفاء.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «والله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه» رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم»؟ رواه البخاري.

أي: ترزقون بإحسانكم إلى الضعفاء؛ كالأيتام والمعاقين.

7/ أمران لا يسوغهما الغلاء

الأول: أكل الحرام.

فمهما احتاج العبد وافتقر فليس له أن يأكل الحرام، ومتى ما أدخل العبد حراماً إلى جوفه فقد قطع صلته بربه.

والثاني: التسخط من الحال والغفلة عن حمد الله.

فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يحمد الله في كل أحواله، إذا رأى ما يحب قال: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات»، وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كل حال» رواه ابن ماجه.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقول: إذا ابتليت عبدا من عبادي مؤمنا، فحمدني على ما ابتليته، فإنه يقوم من مضجعه ذلك كيوم ولدته أمه من الخطايا» رواه أحمد.

8/ من آداب الضيافة أن لا يذكر الغلاء عند الضيف

“قال أبو العيناء: استضفتُ بعض العرب، وكانت سنة مجدبة، فاعتذرت إليه، وذكرت غلاء الأسعار، وأكثرت من ذلك، فرفع يده، وقال: ليس من المروءة أن يذكر غلاء الأسعار للأضياف عند حضور الطعام! فاعتذرت إليه، وناشدته الله أن يأكل، فلم يفعل، ورحل من الغد” [آداب المواكلة، ص(7)].

9/ أسأل الله تعالى أن لا يجعلنا من هؤلاء!

قال ابن مفلح الحنبلي رحمه الله تعالى: “من عجيب ما رأيت ونقدت من أحوال النَّاس: كثرة ما ناحوا على خراب الدِّيار، والتَّحسُّر على قلة الأرزاق، وذمِّ الزَّمان وأهله، وذِكرِ نكد العيش فيه، والحديث عن غلاء اﻷسعار، وهم قد رأوا من انهدام الإسلام والبعد عن المساجد وموت السُّنن، وتفشي البدع، وارتكاب المعاصي، والمجاهرة بها، فلا أجد منهم من ناح على دينه، ولا بكى على تقصيره، ولا أسى على فائت دهره، وما أرى لذلك سببًا -أي ما حلَّ بهم- إلاَّ قلَّة مبالاتهم بدين اﻹسلام، وعِظمِ الدُّنيا في عيونِهم” [الآداب الشَّرعية (3/240)].

اللهم أرخص أسعارنا، وبارك لنا فيما رزقتنا.

اللهم أرخص أسعارنا، وبارك لنا فيما رزقتنا.

ربِّ صلِّ وسلِّم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله صحبه أجمعين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × واحد =

شاهد أيضاً

إغلاق