جامعة الخرطوم

مكانة السنة في التشريع الإسلامي

بسم الله الرحمن الرحيم

حجية السنة النبوية

السنة في اللغة هي الطريقة، وفي الشرع هي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونهيه وندبه.

الآيات المبينة لحجية السنة على أربعة أقسام:

القسم الأول: آيات أمرت بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم. منها قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال:24].

القسم الثاني: آيات رغَّب في طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها،  {وَمَن يُطِعِ الله وَالرَّسُولَ فَأُوْلَـئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَـئِكَ رَفِيقًا} [النساء:69].

القسم الثالث: آيات نهت عن مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [أول الحجرات].

القسم الرابع: آيات توعدت من خالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].

ومن الأحاديث التي بينت أنه لا فرق بين القرآن والسنة في وجوب الأخذ بهما:

قال صلى الله عليه وسلم: «لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ أَمْرٌ مِمَّا أَمَرْتُ بِهِ أَوْ نَهَيْتُ عَنْهُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ اتَّبَعْنَاهُ، أَلَا إِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ، أَلَّا وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِثْلُ مَا حَرَّمَ اللَّهُ» رواه أحمد وأهل السنن.

بيان السنة للقرآن:

 أوكل الله تعالى إلى رسوله صلى الله عليه وسلم مهمة تبيين كتابه بقوله: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [النحل:44]. واللام في {لتبين} للتعليل، وليست للأمر؛ لأن الفعل بعدها منصوب.

وهذا البيان الذي قام به رسولنا صلى الله عليه وسلم على نوعين: بيان لفظه، وبيان معناه. قد شهد الله تعالى له بالامتثال في مواضع عديدة، منها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ}[المائدة/3]. ومنها: {فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ}[الذاريات/54]، والمعنى: فما أنت بملوم من أحد، فقد بلَّغت ما أُرسلت به.

أقسام السنة مع القرآن:

السنة مع القرآن لها ثلاثة أقسام :

الأول : أن تكون مؤكدةً لما في القرآن الكريم . مثال ذلك : فرض الله الحج بقوله :{ وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً}، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا» رواه مسلم.

القسم الثاني : أن تكون منشئةً لحكم ليس في القرآن ..

مثاله : قوله صلى الله عليه وسلم : «لا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا، وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا» رواه البخاري.

القسم الثالث : أن تكون مبينةً لما في القرآن الكريم ، فتخصِّصُ عامَّه، وتُقيِّدُ مطلقه، وتنسخ بعضه، وتبين مجمله، وتزيل إشكاله، وتجلي لفظه ..

الإلمام بلغة العرب لا يغني عن السنة النبوية في فهم القرآن:

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ{الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ . أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ ؟ قَالَ :«لَيْسَ كَمَا تَقُولُونَ، لَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ بِشِرْكٍ، أَوَلَمْ تَسْمَعُوا إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ: {يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}» رواه البخاري ومسلم.

منكرو السنة:

ثلاثة:

الأول : من أنكرها جملة وتفصيلاً .

الثاني : قسم أنكر حديث الآحاد ، وأخذ بالمتواتر من السنة .

الثالث : من أنكر الأخذ بالآحاد في العقائد، وأعمله في الأحكام .

فحديث النبي صلى الله عليه وسلم قسمان :

الأول : الحديث المتواتر ، وهو ما رواه جمع غفير عن جمع غفير من مبدأ الإسناد إلى منتهاه ، بحيث تُحيل العادة أن يتواطئوا على الكذب .

الثاني : حديث الآحاد ، وهو أقسام ثلاثة ..

الأول : الغريب ، وهو ما رواه واحد فقط .

الثاني : العزيز ، وهو ما رواه اثنان أو ثلاثة .

الثالث : المشهور ، وهو ما رواه أكثر من ثلاثة ما لم يبلغ حَدَّ التواتر .

وكلُّ حجة يجب الأخذ به ، وكلُّ دينٌ يجب الإذعان له .

حجية حديث الآحاد:

فمن الأدلة على ذلك قوله تعالى :{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].

ففي هذه الآية حضَّ الله تبارك وتعالى على أن تذهب طائفةٌ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليتفقهوا في دين الله ، فإذا رجعوا بصَّروا قومهم بنور الوحي ، وأخبروهم بالأحكام والعقائد التي تعلموها. والطائفة اسم يصدق على الواحد فقط.

ومن الأدلة على حجية خبر الواحد حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ مُعَاذًا قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقَالَ :«إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ » متفق عليه.

قال النووي رحمه الله :” وقد أجمع مَن يُعتدُّ به على الاحتجاج بخبر الواحد ووجوب العمل به ودلائله من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم أكثر من أن تحصر” [شرح مسلم (14/131)].

فإن قيل : أليس قد طلب عمر بن الخطاب من أبي موسى أن يقيم بيِّنة على ما حَدَّث به في حديث الاستئذان ؟ فالجواب من وجهين :

الأول : هل خرج الحديث بخبر أبي موسى وأبي بن كعب عن كونه آحاداً ؟ الجواب : لا .

الثاني : قال النووي رحمه الله :” وأما قول عمر لأبى موسى : أقم عليه البينة . فليس معناه رد خبر الواحد من حيث هو خبر واحد، ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقول عليه بعض المبتدعين أو الكاذبين أو المنافقين ونحوهم ما لم يقل ، وأنَّ كل من وقعت له قضيةٌ وضع فيها حديثاً على النبي صلى الله عليه وسلم فأراد سدَّ الباب خوفاً من غير أبى موسى، لا شكاً في رواية أبي موسى: ” [شرح مسلم (14/131)].

وهذه خمس وقفات أقفها مع الذين يقبلون الأحكام بحديث الآحاد ، ولا يجعلونه حجة في أمور الاعتقاد !

الوقفة الأولى : هذه التفرقة ما دليلكم عليها ، يقول تعالى  :{ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة/111].

الوقفة الثانية : أنتم تقولون : العقائد لا تثبت إلا بالمتواتر من الحديث ، وهذه في حدِّ ذاتها عقيدة تحتاج إلى دليل متواتر .. فأين هو ؟

الثالثة : يلزم من هذا القول أنَّ الصحابي الذي يخبره النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً بأمر من أمور العقيدة يجب عليه أن يؤمن ويصدق، وأما إذا أخبر الصحابيُّ صحابياً غيره ، أو تابعياً فلا يجب أن يؤمن الثاني بهذه العقيدة ؛ لأنها عقيدة لا تثبت بخبر الواحد، وهذا تناقض لا إخال عاقلاً يقول به .

الرابعة : هناك بعض أحاديث الأحكام تشتمل على بعض العقائد ، فما موقفنا منها ؟ هل نعمل بما فيها من أحكام من غير أن نعتقد ما فيها من أمور الاعتقاد ؟!!

مثال ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» رواه مسلم. فهل نقول هذا الذكر من غير أن نعتقد ما فيه من الخبريات !! { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ} .

الوقفة الخامسة : من ثمارهم تعرفونهم ..

فهؤلاء أنكروا ما يلي:

أنكروا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أفضل البشر وسيد الناس ؛ لأنها ثبتت بحديث الآحاد .

أنكروا الشفاعة العظمى لنبينا صلى الله عليه وسلم .

أنكروا جميع آيات ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن ؛ لأنها ثبتت بحديث آحاد .

وأنكروا المعراج .

أنكروا أنَّ لله ملائكة سياحين يبلغون النبي صلى الله عليه وسلم السلام عن أمته .

وراجع:

عشرون وقفة مع هؤلاء للشيخ الألباني رحمه الله راجعها في رسالته القيمة :(حديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام)

السنة محفوظة  كالقرآن:

الدليل الأول :

قوله تعالى :{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} . قال ابن حزم: “هذا للقرآن والسنة” [الإحكام في أصول الأحكام (1/95)].

الدليل الثاني : السنة مبينة للقرآن ولا يعقل أن يحفظ الله القرآن ولا يحفظ ما يبينه.

الدليل الثالث : { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ} . فكيف يستفيد الناس على مرِّ العصور من نبينا صلى الله عليه وسلم الذي أُرسل إليهم كافة وسنته لم تُحفظ ؟!!

الدليل الرابع : {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ}. والإسلام هو السنة والقرآن ، فكيف يجعل الله الإسلام خاتم الأديان، ويوجب على الجميع أن يعتنقوه، ولا يَحفظ لهم أصلَه ؛ أي : السنة النبوية ؟!!

الدليل الخامس : أرشد ربنا سبحانه وتعالى على السنة في آيات كثيرة وأوجب العمل بها ، فهل يُرشد الله إلى شيء معرَّض للضياع؟!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. جزاكم الله تعالي خيرا شيخي الفاضل ونفع الله العلي القدير بكم وبعلمكم وبارك الله جل وعلا في عمركم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرين − 15 =