خطب منبرية مفرغة

يهب لمن يشاء إناثاً

بسم الله الرحمن الرحيم

يهب لمن يشاء إناثاً

الحمد لله، وأصلي وأسلم على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد؛كانت عادة الجاهلية الأولى كراهية البنات ودفنهن أحياء في القبور، قال عز وجل: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل/58، 59].

أي: وإذا جاء مَن يخبر أحدهم بولادة أنثى اسودَّ وجهه; كراهية لما سمع، وامتلأ غمًّا وحزنًا. يستخفي مِن قومه كراهة أن يلقاهم متلبسًا بما ساءه من الحزن والعار؛ بسبب البنت التي وُلِدت له، ومتحيرًا في أمر هذه المولودة: أيبقيها حية على ذلٍّ وهوان، أم يدفنها حية في التراب؟ ألا بئس الحكم الذي حكموه مِن جَعْل البنات لله والذكور لهم.

وهذه سنة سنها قيس بن عاصم التميمي كان بعض أعدائه أغار عليه فأسر بنته فاتخذها لنفسه، ثم حصل بينهم صلح فخير ابنته فاختارت زوجها ولم ترد أباها، فآلا قيس على نفسه أن لا تولد له بنت إلا دفنها حية فتبعه العرب في ذلك.

فمن صور الجاهلية الحديثة:

غضب الزوج من امرأته إذا جاءت إليه بالأنثى!!

تقول إحداهنَّ لما هرب عنها وتزوج غيرها؛ لأن عندها بنات:

مَا لِأَبِي حَمْزَةَ لاَ يَأْتِينَا

يَظَلُّ فِي الْبَيْتِ الَّذِي يَلِينَا

غَضْبَانَ أَلاَّ نَلِدَ الْبَنِينَا

تَاللَّهِ مَا ذَلِكَ فِي أَيْدِينَا

فَنَحْنُ كَالأَرْضِ لِزَارِعِينَا

نُنْبِتُ مَا قَدْ زَرَعُوهُ فِينَا

ولقد صدقت؛ فالجنين يخلق من ماء الرجل وبويضة المرأة، فإذا حمل ماؤه الكروموسومين xx  كان الجنين أنثى بإذن الله، وإذا حمل xy   كان ذكرا بإذن الله.

بشارات في ولادة البنات

أبدأ بسؤال:

لماذا قدَّم الله البنات في الآية: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}؟ [الشورى/49، 50].

ذكروا لذلك حكما، منها:

1/ للتوصية بهن والاهتمام برعايتهن لضعفهن.

2/ إلغاء الأفكار التي كانت سائدة عندهم عن البنات في الجاهلية، ولذلك جاءت السنة بالوصية بهن.

3/ قدمن في الذكر لأنهن أكثر لتكثير النسل.

4/ إشارة إلى ما تقدم في ولادتهن من اليُمْن كما في الأثر عن قتادة قال: من يمن المرأة تبكيرها بأنثى.

والتنكير هو الأصل في أسماء الأجناس.

ولاية أمر البنات وقاية من النار

في صحيح البخاري، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: دَخَلَتِ امْرَأَةٌ مَعَهَا ابْنَتَانِ لَهَا تَسْأَلُ، فَلَمْ تَجِدْ عِنْدِي شَيْئًا غَيْرَ تَمْرَةٍ، فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهَا، فَقَسَمَتْهَا بَيْنَ ابْنَتَيْهَا، وَلَمْ تَأْكُلْ مِنْهَا، ثُمَّ قَامَتْ، فَخَرَجَتْ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْنَا، فَأَخْبَرْتُهُ فَقَالَ: «مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ البَنَاتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ».

قال القرطبي رحمه الله: قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: «بشيءٍ من البنات»: يُفيد بعمومه، أنَّ السِّتْر من النار يحصل بالإحسان إلى واحدة مِن البنات.

وقال ابن العراقي في طرح التثريب: قوله: بشيء ـ يصدق بالقليل والكثير، فيتناول الواحدة، فالإحسان إليها ستر من النار، فإن زاد على ذلك حصل له مع ذلك السبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الجنة، كما جاء في الحديث الآخر في الصحيح: من عال جاريتين حتى يبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين وضم بين أصابعه. اهـ.

وقوله صلى الله عليه وسلم: «من ابتلي»، ليس المراد ابتلاء الشر، بل المراد قدر له. قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} [الأنبياء/35].

وما وجودنا في الحياة إلا ابتلاء بالتكاليف أمرًا ونهيًا، وبتقلب الأحوال خيرًا وشرًا، ثم المآل والمرجع بعد ذلك إلى الله.

وروى البخاريُّ في الأدب المفرد، والإمام أحمد في مسنده, وهو حديث حسن، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه: أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: «مَن كان له ثلاثُ بنات، فصبر عليهنَّ، وكساهنَّ من جِدَته، كُنَّ له حجابًا من النار».

ومن جدته: من غناه.

وعن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان لها، فسألتني فلم تجد عندي إلا تمرة واحدة، فأعطيتها، فقسمتها بين ابنتيها، ثم قامت، فخرجت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم فحدثته، فقال: «من يلي من هذه البنات شيئاً، فأحسن إليهن، كن له ستراً من النار».

ومما يشاع ويقال:

رجل حملت امرأته ست مرات في كل حمل لها تضع أنثى، فلما حملت السابع هددها وتوعدها إن كان الحمل أنثى، أشرفت المرأة على أن تضع نام فرأى فيما يرى النائم أنه يساق إلى جهنم وجهنم لها سبعة أبواب، فلما ساقته الملائكة إلى الباب الأول وجد ابنته الأولى تصد الملائكة أن يدخلوه النار، وهكذا في الباب الثاني والثالث والرابع والخامس حتى أتي به إلى السادس فوجد ابنته تصد، فأتي به إلى الباب السابع فقام فزعاً وهو يقول: اللهم اجعله أنثى، اللهم اجعله أنثى!

لكن ما معنى «فأحسن إليهم»؟

بينت روايات عديدة المراد من ذلك، وهي:

«فصبر عليهن، وأطعمهن، وسقاهن، وكساهن» رواه ابن ماجه.

وللطبراني: « فأنفق عليهن، وزوجهن، وأحسن أدبهن».

وعند أحمد: «يؤويهن، ويرحمهن، ويكفلهن».

وللترمذي: «فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن».

وحول هذه المعاني تدور خطبتنا بمشيئة الله.

تربية البنات سبب لنيل أعلى الدرجات في الجنة

عن عائشة رضي الله عنها، قَالَتْ: جَاءتني مِسْكينةٌ تَحْمِلُ ابْنَتَيْنِ لَهَا، فَأطْعَمْتُها ثَلاثَ تَمرَات، فَأعْطَتْ كُلَّ وَاحِدَة مِنْهُمَا تَمْرَةً وَرَفَعتْ إِلَى فِيها تَمْرَةً لِتَأكُلها، فَاسْتَطعَمَتهَا ابْنَتَاهَا، فَشَقَّتِ التَّمْرَةَ الَّتي كَانَتْ تُريدُ أنْ تَأكُلَهَا بَيْنَهُما، فَأعجَبَنِي شَأنُهَا، فَذَكَرْتُ الَّذِي صَنَعَتْ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «إنَّ الله قَدْ أوْجَبَ لَهَا بها الجَنَّةَ، أَوْ أعتَقَهَا بِهَا مِنَ النَّارِ» رواه مسلم.

وفي سنن ابن ماجه، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ رَجُلٍ تُدْرِكُ لَهُ ابْنَتَانِ فَيُحْسِنُ إِلَيْهِمَا مَا صَحِبَتَاهُ أَوْ صَحِبَهُمَا إِلَّا أَدْخَلَتَاهُ الْجَنَّةَ».

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، أو بنتان أو أختان، فأحسن صحبتهن واتقى الله فيهن فله الجنة» رواه الترمذي.

وعن أنس رضي الله عنه، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «مَنْ عَالَ جَارِيَتَيْن حَتَّى تَبْلُغَا جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ أنَا وَهُوَ كَهَاتَيْنِ» -وضَمَّ أصَابِعَهُ-. رواه مسلم.

جَارِيَتَيْنِ: أيْ: بنتين.

قال النووي رحمه الله: “عال، أي: قام عليها بالمؤنة والتربية” [شرح صحيح مسلم 8/351].

وفي مسند أحمد، قال صلَّى الله عليه وسلَّم: «((مَن كان له ثلاث بنات يُؤويهُنَّ، ويَكْفِيهنَّ، ويَرحمُهنَّ، فقد وجبتْ له الجنة». فقال رجل مِن القوم: وثِنتين يا رسول الله؟ قال: «وثنتين». قال محمد بن المنكدر عند أبي يعلى: فرأى بعض القوم أن لو قيل له: وواحدة؟ لقال: واحدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. جزاكم الله تعالى خيرا شيخي الفاضل. موضوع جميل ولازال الناس يفضلون الذكور علي الإناث. نسأل الله تعالى أن يهدينا جميعا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة + اثنا عشر =

شاهد أيضاً

إغلاق