مقالات

يا أيها الوزير

بسم الله الرحمن الرحيم

يا أيها الوزير

مهران ماهر عثمان

خطبتي بمسجد السلام بالطائف (22)

يوم 11 محرم 1443هـ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛

فهذه الخطبى تناولت بعض نقاطها في جمعة التاسع من صفر 1435هـ، وأعيدها مضيفاً إليها شيئا مما يتعلق بها، وسبب اختيار الموضوع: التعديلات الحكومية، والتشكيلة الوزارية.

هذه خمسة عشر نداء أوجهها لمن تولى منصب (وزير)؛ ليعلم أنها أمانة، وأنها في الآخرة خزي وندامة، إلا من عدل، وكيف يعدل مع قريبه؟!

فأقول مستعيناً بالله:

 

1/ يا أيها الوزير:

اعتذر عن قبول المنصب إن  لم تكن له أهلاً!

ففي صحيح البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ»؟ قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ». قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ».

وفي جامع الطبراني الكبير قولُ نبينا صلى الله عليه وسلم: «من تولى عملاً وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل أهل فليتبوأ مقعده من النار».

 

2/ يا أيها الوزير:

إنَّها أمانة!

ومن أضاع الأمانة فإنه ينتظره ما جاء من الوعيد في هذا الأثر الذي لا يُقال عن رأي واجتهاد، فيكون له حكم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها إلا الأمانة، يؤتى بالعبد يوم القيامة وإن قتل في سبيل الله فيقال: أدِّ أمانتك. فيقول: أي رب كيف وقد ذهبت الدنيا؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به إلى الهاوية، وتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه، فيراها فيعرفها، فيهوي في أثرها حتى يدركها، فيحملها على منكبيه، حتى إذا نظر ظنَّ أنه خارج زلَّت عن مَنكبيه، فهو يهوي في أثرها أبد الآبدين” رواه البيهقي.

وكل ما في هذه النداءات من الأمانة التي يجب رعايتها.

 

3/يا أيها الوزير:

قبولك لأي هدية بعد هذا المنصب رشوة وسحت

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “اِشْتَهَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز التُّفَّاح فَلَمْ يَجِدْ فِي بَيْته شَيْئًا يَشْتَرِي بِهِ، فَتَلَقَّاهُ غِلْمَان الدَّيْر بِأَطْبَاقِ تُفَّاح، فَتَنَاوَلَ وَاحِدَة فَشَمَّهَا ثُمَّ رَدَّ الْأَطْبَاق، وقال: لَا حَاجَة لِي فِيهِ. فقيل له: أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم  وَأَبُو بَكْر وَعُمَر يَقْبَلُونَ الْهَدِيَّة؟ فَقَالَ: إِنَّهَا لِأُولَئِكَ هَدِيَّة وَهِيَ لِلْعُمَّالِ بَعْدهمْ رِشْوَة” [فتح الباري: 8/82].

 

4/ يا أيها الوزير

أعدَّ للسؤال جواباً!

عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهى مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» متفق عليه.

فأعد للسؤال جواباً، وسوف لن يكون الجواب إلا صواباً، قال ربنا: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء/13، 14].

 

5/ يا أيها الوزير

إنما أنت خادم أجير!!

دخل أبو مسلم الخولاني رحمه الله على معاوية رضي الله عنه، فقام بين السماطين، فقال: السلام عليك أيها الاجير، فقالوا: مه. قال: دعوه، فهو أعرف بما يقول، وعليك السلام يا أبا مسلم. ثم وعظه، وحثه على العدل. [سير أعلام النبلاء: 4/13].

ولعلكم تذكرون ما كان يفعله سيدنا أبو بكر رضي الله عنه كل يوم بعد الفجر، كان يذهب إلى خيمة نائية عن المسجد، فتبعه عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوما، فلما خرج استأذن ودخل، فوجد عجوزاً كبيرة كسيرة عمياء في الخيمة، معها أطفال مات أبوهم، فقال لها: يا أمة الله! من أنت؟ قالت: امرأة من المسلمين، لي أطفال، مات أبوهم من زمن. قال: فمن هذا الشيخ الذي يأتيكم؟ قالت: والله ما أدري من هو. قال عمر: فماذا يصنع عندكم؟ قالت: يكنُس بيتنا، ويصنع طعامنا، ويحلب شاتنا! فقال عمر كلمته الخالدة: “لقد أتعبت الخلفاء بعدك يا أبا بكر”.

 

يا أيها الوزير:

إياك واستغلال منصبك!

لما عاد معاذ من اليمن كان معه مال، فأراد الفاروق رضي الله عنه أن يحاسبه، فقال: أنت الخليفة، أو أبو بكر؟ فأعلمه أن أبا بكر أوكله في هذا، فقال معاذ رضي الله عنه: والله ما أخذت هذا المال إلا متاجرة، وما أخذته من أموال المسلمين، فتركه عمر، ونام معاذ تلك الليلة، فرأى في المنام أنه يريد أن يهوي إلى نار عميقة، وقد أنقذه منها عمر رضي الله عنه.

فلما أصبح قال له: رأيت كيت وكيت، قال عمر: لنذهب إلى خليفة رسول الله عليه الصلاة والسلام، فإن أحلك في مالك، وإلا فرده، فذهبوا إلى أبي بكر فأخبره، قال: أحللته لك.

 

7/ يا أيها الوزير:

إياك والتقصيرَ في عملك!

ففي صحيح مسلم، عن مَعْقِل بْن يَسَارٍ الْمُزنِي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ الله رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».

فمن قصَّر في أعماله وواجباته حيال رعيته كان غاشاً لهم.

 

8/ يا أيها الوزير:

احذر الشقاء الذي ليس بعده من هناء!

احذر أن تصيبك دعوة نبيك صلى الله عليه وسلم.

ففي صحيح مسلم قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فشُّق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به».

وكل من سنَّ لائحة تدخل الناس في الحرج والعنت، واتخذ سياسات لا مصلحة فيها،  أو كانت المصلحة مرجوة وأمكن الوصول إليها بغير هذه التشريعات المتعنتة فهو داخل في هذا الدعاء.

وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شر الرِّعاء الحُطَمة». والرعاء جمع راعي، والحطمة الذي يشق على قومه بقراراته الرعناء وسياساته الشوهاء.

 

9/ أيها الوزير:

إياك أن تحتجب عن صاحب حاجة!

ففي سنن أبى داود أن أَبَا مَرْيَمَ الْأَزْدِيَّ رضي الله عنه قال: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فُلَانٍ؟ فقال: سَمِعْت حديثاً من رسول الله جئت أخبرك به، سمعته يقول: «مَنْ وَلاهُ الله عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ احْتَجَبَ الله عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ». قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ.

 

10/ يا أيها الوزير:

اتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب!

قيل لخالد بن يحيى البرمكي -والبرامكة أسرة عباسية تولت الوزارة في عهد هارون الرشيد فعاثت في الأرض فساداً-بعدما زجَّ بهم هارون في السجون، قيل له: بعد النعيم والوزارة أصبحنا إلى هذا المكان! قال: لعلها دعوة مظلوم سرت في ظلام الليل ففعلت بنا ما ترى!

 

11/ يا أيها الوزير:

عليك بالعدل؛ فبه قامت السماوات والأرض!

قال صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في عملهم وأهليهم وما ولوا» رواه مسلم.

وفيه أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال».

 

12/ يا أيها الوزير:

اتخذ بطانة صالحة تعينك وتسددك!

ثبت في صحيح البخاري، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله».

فقرب بطانة الخير، واحذر بطانة السوء؛ فإن لك في هذه الآية لعبرة: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم/22].

 

13/ يا أيها الوزير:

إياك والتلاعبَ بالمال العام!!

ففي الصحيحين، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خبير ففتح الله علينا، فلم نغنم ذهبا ولا ورقا، غنمنا المتاع والطعام والثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي، ومع رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد له وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب، فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول الله صلى الله عليه و سلم يحل رحله، فرمي بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول الله! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا والذي نفس محمد بيده؛ إن الشملة لتلتهب عليه نارا، أخذها من الغنائم يوم خبير لم تصبها المقاسم». ففزع الناس، فجاء رجل بشراك، فقال: يا رسول الله أصبت يوم خبير؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «شراك من نار».

فهذه شملة، وشراك، فكيف بالمليارات التي تعصف بها ريح الفساد، والشاب كان يخدم نبينا صلى الله عليه وسلم، ومات بسهم اليهود، وكل ذلك لم يشفع له!

 

14/ يا أيها الوزير:

لو دام هذا المنصب لأحد لما وصلت إليه!

فقدِّم لنفسك، وأطع فيه ربَّك؛ قبل أن يحلَّ بك ما حلَّ بأسلافك!

 

15/ يا أيها الوزير:

تذكر دائماً حديث المعجم الكبير للطبراني، قال عوف بن مالك رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم أنبأتُكم عن الإمارة وما هي»؟ قال عوف: فناديت بأعلى صوتي: وما هي يا رسول الله؟ قال: «أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل، وكيف يعدل مع قريبه»؟

ملامة إذا تولى المنصب، ليم من بعض من لم يحابهم من أقربائه وأصدقائه!

وندامة إذا انتزع الله الوزارة منه، يقول: يا ليتني قدمت في حياتي لآخرتي!

وعذاب إذا دفن، و ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6].

لقد حدث في الأيام الماضية ما أثلج الصدر!

مسؤول تقلد منصبا رفيعاً، جاء إليه بعض منافقي مؤسسته بالهدايا، فردها ولم يقبلها منهم، أسأل الله أن يوفقه في منصبه، وأن يسلك بإخوانه سبيله.

رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة × أربعة =

شاهد أيضاً

إغلاق