مقالات

يا أيها الوزراء

بسم الله الرحمن الرحيم

يا أيها الوزير!

20 محرم 1441، 20/ 9/2019م

مسجد السلام بالطائف (22)

مهران ماهر عثمان

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛

فهذه خطبة كانت في التاسع من صفر 1435هـ، أي قبل ستة أعوام، وقد كانت بسبب تعيين عدد من الوزراء الجدد، وأكرر اليوم كثيراً من محاورها لذات السبب.

فأقول مستعينا بالله:

 

يا أيها الوزير:

اعتذر عن قبول المنصب إن  لم تكن له أهلاً!

ففي صحيح البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسٍ يُحَدِّثُ الْقَوْمَ جَاءَهُ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: مَتَى السَّاعَةُ؟ فَمَضَى رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَدِّثُ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: سَمِعَ مَا قَالَ فَكَرِهَ مَا قَالَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ لَمْ يَسْمَعْ، حَتَّى إِذَا قَضَى حَدِيثَهُ قَالَ: «أَيْنَ أُرَاهُ السَّائِلُ عَنْ السَّاعَةِ»؟ قَالَ: هَا أَنَا يَا رَسُولَ الله. قَالَ: «فَإِذَا ضُيِّعَتْ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ». قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: «إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرْ السَّاعَةَ».

وفي جامع الطبراني الكبير قولُ نبينا صلى الله عليه وسلم: «من تولَّى عملاً وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل أهل فليتبوأ مقعده من النار».

 

يا أيها الوزير:

إنَّها أمانة!

وويل لمن أضاع الأمانة، وهنياً لمن قام بحقها، في صحيح مسلم، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «وَتُرْسَلُ الْأَمَانَةُ وَالرَّحِمُ، فَتَقُومَانِ جَنَبَتَيِ الصِّرَاطِ يَمِينًا وَشِمَالًا». أي: عند المرور على الصراط، فمن أسباب النجاة في تلك الساعة: أداء الأمانة.

 

يا أيها الوزير:

قبولك لأي هدية بعد هذا المنصب رشوة وسحت.

لما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن أرسل في أثره، فلما جاءه قال: «أتدري لِمَ بعثتُ إليك؟ لا تصيبن شيئًا بغير إذني؛ فإنه غلول، ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة، لهذا دعوتك فامض لعملك» رواه الترمذي.

فما هي علة التحريم؟ لأنها مدعاة للمحاباة، وتقديم مصلحة صاحبها على غيره، وعدم مراعاة الإخلاص في العمل.

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: “اِشْتَهَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز التُّفَّاح فَلَمْ يَجِدْ فِي بَيْته شَيْئًا يَشْتَرِي بِهِ، فَتَلَقَّاهُ غِلْمَان الدَّيْر بِأَطْبَاقِ تُفَّاح، فَتَنَاوَلَ وَاحِدَة فَشَمَّهَا ثُمَّ رَدَّ الْأَطْبَاق، وقال: لَا حَاجَة لِي فِيهِ. فقيل له: أَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم  وَأَبُو بَكْر وَعُمَر يَقْبَلُونَ الْهَدِيَّة؟ فَقَالَ: إِنَّهَا لِأُولَئِكَ هَدِيَّة وَهِيَ لِلْعُمَّالِ بَعْدهمْ رِشْوَة” [فتح الباري: 8/82].

 

يا أيها الوزير:

أعدَّ للسؤال جواباً!

عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبى صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ألا كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، فالأمير الذي على الناس راع وهو مسئول عن رعيته، والرجل راع على أهل بيته وهو مسئول عنهم، والمرأة راعية على بيت بعلها وولده، وهى مسئولة عنهم، والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه، ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته» متفق عليه.

فأعد للسؤال جواباً، وسوف لن يكون الجواب إلا صواباً، قال ربنا: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء/13، 14].

 

يا أيها الوزير:

إياك والتقصيرَ في عملك!

ففي صحيح مسلم، عن مَعْقِل بْن يَسَارٍ الْمُزنِي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ الله رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».

فمن قصَّر في أعماله وواجباته حيال رعيته كان غاشاً لهم.

 

يا أيها الوزير:

احذر الشقاء الذي ليس بعده من هناء!

احذر أن تصيبك دعوة نبيك صلى الله عليه وسلم.

ففي صحيح مسلم قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئاً فشق عليهم فشُّق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئاً فرفق بهم فارفق به».

وكل من سنَّ لائحة تدخل الناس في الحرج والعنت، واتخذ سياسات لا مصلحة فيها،  أو كانت المصلحة مرجوة وأمكن الوصول إليها بغير هذه التشريعات المتعنتة فهو داخل في هذا الدعاء.

وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن شر الرِّعاء الحُطَمة». والرعاء جمع راعي، والحطمة الذي يشق على قومه بقراراته الرعناء وسياساته الشوهاء.

 

يا أيها الوزير:

إياك أن تحتجب عن صاحب حاجة!

ففي سنن أبى داود أن أَبَا مَرْيَمَ الْأَزْدِيَّ رضي الله عنه قال: دَخَلْتُ عَلَى مُعَاوِيَةَ فَقَالَ: مَا أَنْعَمَنَا بِكَ أَبَا فُلَانٍ؟ فقال: سَمِعْت حديثاً من رسول الله جئت أخبرك به، سمعته يقول: «مَنْ وَلاهُ الله عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ فَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهِمْ وَخَلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ احْتَجَبَ الله عَنْهُ دُونَ حَاجَتِهِ وَخَلَّتِهِ وَفَقْرِهِ». قَالَ: فَجَعَلَ رَجُلًا عَلَى حَوَائِجِ النَّاسِ.

فاجعل أحداً لاستقبال من يحتاج إليك لشكوى واطلب منه تقريراً يومياً بذلك.

 

يا أيها الوزير:

اتق دعوة المظلوم؛ فإنه ليس بينها وبين الله حجاب!

قيل لخالد بن يحيى البرمكي -والبرامكة أسرة عباسية تولت الوزارة في عهد هارون الرشيد فعاثت في الأرض فساداً-بعدما زجَّ بهم هارون في السجون، قيل له: بعد النعيم والوزارة أصبحنا إلى هذا المكان! قال: لعلها دعوة مظلوم سرت في ظلام الليل ففعلت بنا ما ترى!

 

يا أيها الوزير:

عليك بالعدل؛ فبه قامت السماوات والأرض!

قال صلى الله عليه وسلم: «إن المقسطين عند الله على منابر من نور، الذين يعدلون في عملهم وأهليهم وما ولوا» رواه مسلم.

وفيه أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم: «أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال».

إن من الظلم البيِّن الذي عانى منه الناس في عهد الإنقاذ ما يُعرف بـ “الصالح العام”، فصل الأكفاء بسبب عدم موالاتهم للحزب الحاكم! تضررت كثير من الأسر بسبب ذلك، وما يصدر هذه الأيام من حكومة قحت ظلم كذلك، أن يفصل الأكفاء بسبب انتماءاتهم الحزبية، ولا يعرف عنهم فساد ولا جريمة، ولا يعرف أنهم يعملون على إفشال الحكومة، بل يقومون بأعمالهم على أتم وجه، فصل هؤلاء ظلم لا يرضاه الله.

رحم الله المهندس محمود شريف، لما آل إليه أمر الكهرباء كان تحت إدارته ثلاثة من الحزب الشيوعي، فجاءت إليه الأوامر من قيادة حزبه بفصلهم، فامتنع بسبب كفاءتهم.

 

يا أيها الوزير:

اتخذ بطانة صالحة تعينك وتسددك!

ثبت في صحيح البخاري، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا اسْتُخْلِفَ خَلِيفَةٌ إِلَّا لَهُ بِطَانَتَانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضُّهُ عَلَيْهِ، وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَ الله».

فقرب بطانة الخير، واحذر بطانة السوء؛ فإن لك في هذه الآية لعبرة: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم/22].

 

يا أيها الوزير:

لو دام هذا المنصب لأحد لما وصلت إليه!

فقدِّم لنفسك، وأطع فيه ربَّك؛ قبل أن يحلَّ بك ما حلَّ بأسلافك!

 

يا أيها الوزير

الوزارة تكليف وليست بتشريف!

هل خفي عنك ما جاء في المعجم الكبير للطبراني؟ قال عوف بن مالك رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن شئتم أنبأتُكم عن الإمارة وما هي»؟ قال عوف: فناديت بأعلى صوتي: وما هي يا رسول الله؟ قال: «أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم القيامة، إلا من عدل، وكيف يعدل مع قريبه»؟.

 

يا أيها الوزير

معاداة الدين سبيل الهالكين

إياك وأن تعاديَ دين الله تعالى.

ففي صحيح البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالحَرْبِ».

فهذا من عادى الولي، والولي إنما فُضل وصار وليا بسبب تمسكه بدين الله، فكيف بمن عادى دين الله تعالى؟

ثبت عن صفية بنت حيي بن أخطب رضي الله عنها أنها قالت: كنت أحب ولد أبي إليه، وإلى عمي أبي ياسر، لم ألقهما قط مع ولد لهما إلا أخذاني دونه. قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ونزل قباء في بني عمرو بن عوف، غدا عليه أبي؛ حيي بن أخطب، وعمي أبو ياسر بن أخطب، مغلسين، قالت: فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس، قالت: فأتيا كالين كسلانين ساقطين يمشيان الهويني. قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع (ابتسمت لهما وفرحت بهما)، فو الله ما التفت إلي واحد منهما، مع ما بهما من الغم. قالت: وسمعت عمي أبا ياسر، وهو يقول لأبي، حيي بن أخطب: أهو هو؟ قال: نعم والله، قال: أتعرفه وتثبته؟ قال: نعم، قال: فما في نفسك منه؟ قال: عداوته والله ما بقيت «1» . [ابن هشام 1/ 518].

هذا الرجل كان قد سببا في غدر بني قريظة، ففي غزوة الأحزاب، ذهب حيي هذا إلى كعب بن أسد، سيد بني قريظة، واشار عليه بنقض عهده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ويحك يا حيي! فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا صدقا ووفاء. فقال له: لئن رجعت قريش وغطفان، ولم يصيبوا محمدا لأدخلن معك في حصنك، حتى يصيبني ما أصابك، فلم يزل به حتى نقض كعب بن أسد عهده، وبرئ مما كان بينه وبين المسلمين، ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين.

ولما ردَّ الله الذين كفروا بغيظهم وكفى المؤمنين القتال دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان؛ وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده، فلما أتي به- وعليه حلة قد شقها من كل ناحية بقدر أنملة لئلا يسلبها- مجموعة يداه إلى عنقه بحبل، قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أما والله ما لمت نفسي في معاداتك، ولكن من يغالب الله يغل” [الرحيق المختوم، ص291].

 

رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة × أربعة =