خطب منبرية

وكان بالمؤمنين رحيما

بسم الله الرحمن الرحيم

وكان بالمؤمنين رحيما

خطبة الجمعة بمسجد السلام

عناصر الخطبة:

  1) الرحمن والرحيم اسمان لله يجب إثباتهما وإثبات الصفة التي دلا عليها.
2) معنى: الرحمن، والرحيم، والرحمة.
3) إشكال وجوابه.
4) عموم رحمة الله.
5) عظيم رحمة الله.
6)  صور من رحمة الله.

الخطبة الأولى

الحمد لله حمداً كثيراً طيبا مباركا فيه، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين،

أما بعد؛

فقد وصف الله نفسه في القرآن الكريم بكثيرٍ من الصفات، وسمَّى نفسه بأسماء كثيرة، والواجب علينا أن نثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه في كتابه أو ما نطق به رسوله صلى الله عليه وسلم.

وإن من أسماء الرحمن الرحيم.

وقد قرن الله بين هذين الاسمين في أعظم سورة في القرآن، وفي الفرق بينهما أقوال، فمن العلماء من قال: الرحمن الذي يرحم الناس أجمعين، والرحيم الذي يرحم المؤمنين، واستُدل لهذا بقول الله تعالى: {وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا} [الأحزاب/ 43]، ولعل هذا لا يصح؛ فإن الله قال في كتابه: {إِنَّ الله بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} في موضعين في القرآن الكريم [البقرة/143، والحج/ 6].

والصحيح أنَّ الفرقَ بينهما: أنَّ الرحمن ذو الرحمة الواسعة، والرحيم ذو الرحمة الواصلة.

فما هي الرحمة؟

قال الجرجاني: هي إرادة إيصال الخير [التعريفات، ص110].

والفرق بين الرحمة والرأفة كما قال بعض العلماء: الرحمة هي أن يوصّل إليك المسار، والرأفة هي أن يدفع عنك المضار [الكليات للكفوي، ص 378].

إشكال وجوابه

ولعلي بإشكال قفز إلى أذهان كثير منكم، وهو:

إذا كانت الرحمة صفة من صفات الله فكيف نفهم أنها مخلوقة كما ذكر ذلك في بعض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً، وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً، فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الذِي عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنْ مِنَ النَّار» رواه البخاري.

فالجواب: أنَّ إضافة الرحمة فى الحديث إلى الله جل وعلا إضافة المخلوق لخالقه فالرحمة هنا ليست صفة لله جل وعلا، إنما هي أثر الصفة كقوله تعالى: { وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ }[الفرقان 48] وقوله تعالى فى المطر { فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }[الروم:50]، ولهذا جاء فى الصحيحين من حديث أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال: «قال الله تبارك وتعالى للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء».

ويلزم من ذلك أن تكون التسعة وتسعون رحمة المذكورة فى الحديث أعيانا قائمة بذاتها، يرحم الله بها المؤمنين يوم القيامة، فحوض النبى صلى الله عليه وسلم رحمة، وظل العرش رحمة، والجنة رحمة، وغير ذلك. فكل هذه أعيان مخلوقة ليرحم الله بها المؤمنين يوم القيامة، وهى من آثار رحمة الله الذاتية.

عموم رحمة الله

إنَّ رحمة الله في الدنيا يتمتع بها البر والفاجر، المؤمن والكافر، يصيب بها ربنا الناس جميعاً، قال تعالى: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص/73]، فالليل والنهار رحمتان من الله لجميع عباده.

وقال تعالى في المطر: {فَانْظُرْ إِلَى آَثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الروم/50].

 

عظيم رحمة ربنا بنا

عباد الله:

إن رحمة الله تعالى قد وسعت كل شيء.

قال تعالى: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف/156].

وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لما قضى الله الخلق كتب كتابا عنده قبل أن يخلق الخلق: إنَّ رحمتي  سبقت غضبي، فهو عنده فوق العرش».

وورد عند البخاري أيضا من حديث عُمَر بن الخطاب رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم  بِسَبْيٍ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنَ السَّبْيِ تَبْتَغِي، إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم: «أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ»؟ قُلْنَا: لاَ وَاللهِ وَهِي تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لاَ تَطْرَحَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «لله أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».

 

صور من رحمة الله:

وهذه أيها المؤمنون صور من رحمة الله بعباده:

فمن ذلك:

قبول التوبة.

فقبولها من رحمة الله بعباده، قال تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} [البقرة/37]. فذكر اسمه الرحيم بعد أن أعلمنا بقبول توبته.

وبعد أن توعد الكفار بالنار قال: {إِلا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [آل عمران/89].

وقال: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ وَما مِنْ إِلهٍ إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (73) أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (74)} [المائدة].

وقال: {لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً} [الأحزاب/73].

قال عبدالرحمن بن جبير رضي الله عنه: أتى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير هرم، سقط حاجباه على عينيه، وهو مدعم على عصا (متكئًا على عصا)، حتى قام بين يدي النبي صلَّى الله عليه وسلم فقال: أرأيت رجلاً عمل الذنوب كلها، لم يترك داجة ولا حاجة (صغيرة ولا كبيرة) إلا أتاها، لو قسمت خطيئته على أهل الأرض لأوبقَتْهم – (لأهلكَتْهم) أَلَهُ من توبة؟ فقال له صلى الله عليه وسلم: «هل أسلمت»؟ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، قال: «تفعل الخيرات، وتترك السيئات، فيجعلهن الله لك كلهن خيرات»، قال: وغدراتي وفجراتي يا رسول الله؟ قال: «نعم، وغدراتك وفجراتك»، فقال: الله أكبر، الله أكبر، ثم ادعم على عصاه، فلم يزل يردِّد: الله أكبر، حتى توارى عن الأنظار. رواه الطبراني، وصححه الألباني.

ومن صور رحمة الله ما جاء في هذا الحديث:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ لِأَهْلِهِ: إِذَا مَاتَ فَحَرِّقُوهُ، ثُمَّ اذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ، فوالله لَئِنْ قَدَرَ اللهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ! فَلَمَّا مَاتَ الرَّجُلُ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ، فَأَمَرَ الله الْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، وَأَمَرَ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: لِمَ فَعَلْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ، وَأَنْتَ أَعْلَمُ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهُ» متفق عليه.

ومنها:

ما جاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم -فيما يحكي عن ربه- عز وجل قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال: اللهم اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب، فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنَب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنَب، فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي، فقال تبارك وتعالى: أذنَب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئتَ فقد غفرتُ لك» رواه مسلم.

أي: ما دمت أنك تذنب وتستغفر فإني أغفر لك.

ومن صور رحمة الله بعباده حسابه للمؤمنين:

فعن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في النجوى؟ فقال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «إن الله يُدنِي المؤمن، فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي رب، حتى إذا قرَّره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيُعطَى كتاب حسناته، وأمَّا الكفار والمنافقون، فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين» رواه مسلم.

ومن رحمته أنه يدخل من شاء من المؤمنين دار كرامته بلا حساب ولا عذاب.

ودخول الجنة صورة من صور:

والناس لا يدخلون الجنة بأعمالهم وإنما يدخلونها برحمة الله تعالى، ولذا قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله». قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته».

وهذا لا يعني أن الأعمال ليس لها قيمة ولا تأثير في دخول الجنة، وإلا فقد قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الزخرف/72].  وقال: {جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الواقعة/24]. ونظائر هذا كثيرة.

والجمع بين هذه الآيات والحديث أن الجنة ليست عوضا للعمل، ولكن العمل سبب لدخول الجنة.

ومن صور رحمة الله بعباده قبوله لشفاعة المؤمنين بعد المرور على الصراط:

ففي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم عن حال الناس بعد المرور على الصراط: «فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ، حَتَّى إِذَا خَلَصَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ بِأَشَدَّ مُنَاشَدَةً لِلَّهِ فِي اسْتِقْصَاءِ الْحَقِّ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ لِلَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِإِخْوَانِهِمْ الَّذِينَ فِي النَّارِ، يَقُولُونَ: رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ، فَتُحَرَّمُ صُوَرُهُمْ عَلَى النَّارِ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّارُ إِلَى نِصْفِ سَاقَيْهِ، وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا بِهِ؟ فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا؟ ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا؟ ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ، فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا. ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا خَيْرًا؟ (وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يَقُولُ إِنْ لَمْ تُصَدِّقُونِي بِهَذَا الْحَدِيثِ فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}). فَيَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: شَفَعَتْ الْمَلَائِكَةُ، وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ، وَشَفَعَ الْمُؤْمِنُونَ، وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَيَقْبِضُ قَبْضَةً مِنْ النَّارِ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا، فَيُلْقِيهِمْ فِي نَهَرٍ فِي أَفْوَاهِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ نَهَرُ الْحَيَاةِ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا تَخْرُجُ الْحِبَّةُ فِي حَمِيلِ السَّيْلِ، أَلَا تَرَوْنَهَا تَكُونُ إِلَى الْحَجَرِ أَوْ إِلَى الشَّجَرِ مَا يَكُونُ إِلَى الشَّمْسِ أُصَيْفِرُ وَأُخَيْضِرُ وَمَا يَكُونُ مِنْهَا إِلَى الظِّلِّ يَكُونُ أَبْيَضَ؟ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَأَنَّكَ كُنْتَ تَرْعَى بِالْبَادِيَةِ قَالَ فَيَخْرُجُونَ كَاللُّؤْلُؤِ فِي رِقَابِهِمْ الْخَوَاتِمُ، يَعْرِفُهُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ: هَؤُلَاءِ عُتَقَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ أَدْخَلَهُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ عَمَلٍ عَمِلُوهُ وَلَا خَيْرٍ قَدَّمُوهُ. ثُمَّ يَقُولُ: ادْخُلُوا الْجَنَّةَ، فَمَا رَأَيْتُمُوهُ فَهُوَ لَكُمْ، فَيَقُولُونَ: رَبَّنَا أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ، فَيَقُولُ: لَكُمْ عِنْدِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا. فَيَقُولُونَ: يَا رَبَّنَا أَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ هَذَا؟ فَيَقُولُ: رِضَايَ، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا».

اللهم ارض عنَّا.

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم، ونفعنا بما فيه من آيات وذكر حكيم، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين، فاستغفروه إنه غفور رحيم.

الخطبة الثانية

أما بعد؛

فمن صور رحمة الله ما جاء في صحيح مسلم، عن ابن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «آخر من يدخل الجنة رجل، فهو يمشي مرة، ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة، فإذا ما جاوزها التفت إليها فقال: تبارك الذي نجَّاني منك، لقد أعطاني الله شيئا ما أعطاه أحدا من الأولين والآخرين.

فترفع له شجرة: فيقول: أي ربِّ أَدْنِنِي من هذه الشجرة؛ فلأستظلَّ بظلها، وأشرب من مائها. فيقول الله عز وجل: يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها؟ فيقول: لا يا رب، ويعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها فيستظل بظلها ويشرب من مائها.

ثم ترفع له شجرة هي أحسن من الأولى، فيقول: أي رب أدنني من هذه؛ لأشرب من مائها وأستظل بظلها لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ لعلي إن أدنيتك منها تسألني غيرها؟ فيعاهده أن لا يسأله غيرها، وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه، فيدنيه منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها.

ثم ترفع له شجرة عند باب الجنة هي أحسن من الأوليين، فيقول: أي رب أدنني من هذه لأستظل بظلها وأشرب من مائها لا أسألك غيرها. فيقول: يا ابن آدم ألم تعاهدني أن لا تسألني غيرها؟ قال: بلى يا رب هذه لا أسألك غيرها. وربه يعذره؛ لأنه يرى ما لا صبر له عليها، فيدنيه منها، فإذا أدناه منها فيسمع أصوات أهل الجنة، فيقول: أي رب أدخلنيها. فيقول: يا ابن آدم ما يَصْرِيني منك؟ (ما يقطع عني سؤالاتك؟) أيرضيك أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟ قال: يا رب أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟» فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: مم تضحك يا رسول الله؟ قال: «من ضحك رب العالمين حين قال: أتستهزئ مني وأنت رب العالمين؟ فيقول: إني لا أستهزئ منك ولكني على ما أشاء قادر» رواه مسلم.

وأختم خطبتي وأبدأ دعائي بدعوة فيها توسل برحمة الله، علمها لنبي صلى الله عليه وسلم سيدنا معاذا رضي الله عنه، قال له: «قل: اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير، إنك على كل شيء قدير، تولج الليل في النهار، وتولج النهار في الليل، وتخرج الحي من الميت، وتخرج الميت من الحي، وترزق من تشاء بغير حساب، رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما، تعطي من تشاء منهما، وتمنع من تشاء، ارحمني رحمة تغنيني بها عن رحمة من سواك»

اللهم إن لم نكن أهلا لدخول رحمتك فإن رحمتك أهلٌ أن تبلغنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد + 9 =