مقالات

وقفات مع الاتفاق الذي تم بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير

بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات مع الاتفاق الذي تم بين المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير

جمعة 2 ذو القعدة 1440، الموافق: 5/7/2019م

مسجد السلام بالطائف (22)

مهران ماهر عثمان

الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبيِّنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أمَّا بعد؛

فيقول ربنا سبحانه: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ} [النحل: 53].

وإنَّ من نعم الله تعالى علينا هذا القدر من الاتفاق الذي تم بين طرفي التفاوض، فقد اتفق الطرفان على:

تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة مدنية برئاسة رئيس وزراء.

اتفق الطرفان على تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة شفافة للتحقيق في الانتهاكات التي صاحبت الحراك الثوري.

اتفق الطرفان على تشكيل مجلس سيادي بالتناوب لمدة ثلاث سنوات.

اتفق الطرفان على إرجاء تشكيل المجلس التشريعي لمدة ثلاثة شهور.

مبعوث الاتحاد الإفريقي: تم الاتفاق بحضور ووساطة الاتحاد الإفريقي ودولة إثيوبيا.

مبعوث الاتحاد الإفريقي: ساد الاتفاق تغليب روح المصلحة الوطنية.

نائب رئيس المجلس العسكري: نطمئن القوى السياسية أن هذا الاتفاق شامل لا يقصي أحداً. وتحقيق السلام من أولويات الاتفاق.

ولي وقفة مع هذه النقاط التي تلوتها آنفاً:

تشكيل حكومة تكنوقراط مستقلة مدنية برئاسة رئيس وزراء.

وهذا ما نادى إليه عقلاء هذه البلاد كثيراً، وفي الجمعة الثانية التي خطبتها في المعتصم كان من محاورها: نطالب بحكومة كفاءات بلا انتماءات؛ فإن في بلادنا أربعين مليون نسمة، فيجب أن نسعى إلى أن تمثلهم الحكومة الانتقالية، لا نريدها يسارية ولا يمينية، لا نريدها حزبية، نريدها حكومة كفاءات تمثل السودانيين جميعاً، تحقق السلام الشامل، وتسعى في دفع عجلة التنمية، وتهيِّئ الأجواء لقيام انتخابات حرة ونزيهة يختار فيها الشعب من يحكمه.

اتفق الطرفان على تشكيل لجنة تحقيق وطنية مستقلة شفافة للتحقيق في الانتهاكات التي صاحبت الحراك الثوري.

وهذا من آكد الواجبات، وأحذر طرفي الاتفاق بعدم المتاجرة بدماء الشهداء، وأذكرهما بأنه ليس من حق أي أحد أن يتنازل عن القصاص، فإن الله جعل حق الإصرار عليه أو العفو والتجاوز عنه لأولياء الدم، {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33]، فلا يملك أحد من الناس أن يتنازل عن هذا الحق، بإمكان طرفي التفاوض أن يسعيا ليختار أولياء الدم جانب العفو، لكن لا يملك أحد أن يتنازل عن هذا الحق نيابة عنهم.

وأذكِّر بأنَّ من أسباب الحياة الكريمة التي ننشدها، وأنَّ من أسباب الاستقرار السياسي: تمكينَ أولياء الدم من هذا الحق. قال ربنا: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 179]، فالمراد: ولكم في إقامة القصاص حياة كريمة آمنة. فهذه الآية ليس فيها دليل على قتل الثوار كما استدل بها على ذلك الرئيس المعزول! وهذا من فرط جهله، وإنما هي دليل على وجوب إقامة الحد على من قتلهم وسفك دماءهم.

فهذا الشعار من شعارات ثورتنا: الدم قصادو الدم ما بنقبل الدية، كلمة حق دلت عليها آيات الله، إلا إذا عفا أولياء الدم، أو قبلوا الدية، فليس لأحد أن ينكر عليهم.

فعلى من يقام الحد؟ على الجندي الذي باشر القتل، أم على من أمر؟ قال ابن حزم في المحلى (ج11/ص168) “فَإِذا أمر أحد أحدا بِالْقَتْلِ وَكَانَ مُتَوَلِّي الْقَتْلِ مُطِيعًا لِلْآمِرِ مُنَفِّذًا لِأَمْرِهِ، وَلَوْلَا أَمْرُهُ إيَّاهُ لَمْ يَقْتُلْهُ صَحَّ أَنَّهُمَا جَمِيعًا قَاتِلَانِ”.

اتفق الطرفان على تشكيل مجلس سيادي بالتناوب لمدة ثلاث سنوات.

ولابد من نصيحة الطرفين هنا بضرور تغليب المصلحة الوطنية على المصالح الشخصية والحزبية الضيقة؛ فإن الله تعالى يقول: {وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ } [ص: 24]. فمن سلك سبيل الصلاح كان بعيداً مما حذر الله تعالى عنه في كتابه.

وأوصيها بالصدق مع الله، بالصدق مع النفس، بالصدق مع هذا الشعب؛ فإن الله يعطي على الصدق ما لا يعطي على غيره.

في سنن النسائي، عَنْ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتَّبَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ، فَأَوْصَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةٌ غَنِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيًا، فَقَسَمَ وَقَسَمَ لَهُ، فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟، قَالُوا: قِسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالَ: «قَسَمْتُهُ لَكَ»، قَالَ: مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى إِلَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ، فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنَّةَ فَقَالَ: «إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ»، فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ الْعَدُوِّ، فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْمَلُ قَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَهُوَ هُوَ؟» قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: «صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقَهُ»، ثُمَّ كَفَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ: «اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا أَنَا شَهِيدٌ عَلَى ذَلِكَ».

فالله الله في الصدق مع الله، به تحُل البركة في هذه الشراكة، وبدونه يكون الشقاق والفرقة والخلاف عنواناً لها.

اتفق الطرفان على إرجاء تشكيل المجلس التشريعي لمدة ثلاثة شهور.

وأذكرهما بقول ربنا سبحانه: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) } [المائدة: 49، 50].

وبقوله: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ} [النساء: 105].

لماذا نننادي إلى تطبيق شرع الله تعالى، وفي العالم دول لا تدين بالإسلام وقد تبوأت أعلى الرتب في الدنيا؟

الجواب:

صلاح الدنيا يتحقق بالعدل الذي يحكمون به، والنزاهة ومحاربة الفساد وتعيين الأكفاء والاهتمام بالتعليم والصحة هذه عوامل أدت إلى أن يتبوؤوا أعلى الرتب في الدنيا، وهذا كله مما دعا إليه الإسلام، ولهذا أصلح الله لهم الدنيا.

أما تطبيق شرع الله فإنه يضمن أمرين: صلاح الدنيا، وصلاح الآخرة.

نائب رئيس المجلس العسكري: نطمئن القوى السياسية أن هذا الاتفاق شامل لا يقصي أحداً.     

تحقيق السلام من أولويات الاتفاق.

وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض.

فلابد أن يشعر كل فرد منا، إسلامي أو يساري أو غير ذلك، أن هذه الحكومة تمثله، وهذا لا يتحقق إلا غذا كانت حكومة كفاءات وطنية لا تنتمي إلى تيار معين.

لا إقصاء لأي أحد، إلا لمن ثبت تورُّطه في جريمة، أما غير المفسدين فلا نقصي أحداً.

الخطبة الثانية:

ليعلم طرفا التفاوض أن كثيراً من الدول القريبة منا كانت في الحضيض، فرفع الله شأنها بصدق القائمين عليها، فليجعل الناس منهم أسوةً حسنةً لهم في ذلك، من هذه الدول تنزانيا، تولى أمرها من لقب ببلدوزر الإصلاح، ولقب بقاهر الفساد والرشوة، جون بومبيه ماغفولي، حصل على الدكتوراه في الكيمياء، انتخب لرئاستها في أكتوبر 2015م، أقال عددا من المسؤولين في حملته الواسعة لمكافحة الفساد، كرئيس جهاز مكافحة الفساد، ورئيس مصلحة الضرائب، طرد 10.000 موظفاً بسبب التزوير، وأوقف الاحتفالات الرسمية في يوم الاستقلال للصرف البذخي الذي كان يصاحبها، وحول هذه المصاريف لمحاربة وباء الكوليرا، قلل الوزراء من ثلاثين إلى تسعة عشر وزيرا، وطلب منهم الكشف عن أرصدتهم وممتلكاتهم لئلا يكونوا مشرع (قططٍ سمنٍ)! وهدد من لم يفعل ذلك ويوقع على تعهد بالنزاهة بالإقالة، منع من سفر المسؤولين إلى الخارج بغير ترخيص مباشر منه، فقد رأى أن عليهم الاهتمام بعملهم في الداخل، وعلى السفراء أن يقوموا بالأعمال الخارجية، ومن كان لابد من سفره فإنه لا يحق له السفر على كراسي الدرجة الأولى في الطائرة، ومنع الفعاليات الحكومية التي تقام في الفنادق، ولما تولى الرئاسة كانت هناك فعالية خارجة استعد لها خمسون مسؤولا في الحكومة فصادق على سفر أربعة فقط ومنع البقية من السفر!

زار المشفى الرئيس في الدولة زيارة مفاجئة وجد المرضى يفترشون الأرض، والأجهزة الطبية متعطلة، فقام بعزل جميع المسؤولين في المستشفى، وأعطى مهلة أسبوعين للإدارة الجديدة، لكن في خلال ثلاثة أيام فقط أصلحوا كل شيء.

صادقت المالية قبل انتخابه على مبلغ مائة ألف دولار للاحتفال بافتتاح مبنى البرلمان الجديد، فحولها إلى تكملة نواقص المعدات الصحية بالمشفى الرئيس.

أرسل رئيس وزرائه لتفتيش مفاجي لميناء دار السلام، فاكتشف اختلاسات قيمتها أربعون مليون دولار! فاعتقل مع مساعديه وحقق معهم.

جمع العربات الفارهة التابعة للدولة، ووضعها في المزاد العلني، وعوض المسؤولين بسيارات عادية.

لقب بالبلدوزر أو جرافة الفساد.

ومثله أردوغان في تركيا، ومن قرأ كتاب “التجربة الأردوغانية” وقف على حجم الطفرة التي تحققت في عهده.

الإصلاح سهل، الإصلاح يسير لمن قصده، ولكنه بعيد المنال ممن كان يسعى إلى مصالحه الشخصية فقط.

فصلاح الدنيا يتحقق بهذه الممارسات، وكلها مما دعت إليه شريعة الإسلام.

أما صلاح الدنيا والآخرة فيكون بتطبيق شرع ربنا سبحانه.     

ربِّ صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمد، والحمد لله في البدء والختام.

                                                                                                      

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

12 + 4 =

شاهد أيضاً

إغلاق