مقالات

مصطلحات وأباطيل3

بسم الله الرحمن الرحيم

مصطلحات وأباطيل (3)

28 ربيع الآخر 1441 الموافق: 27/ 12/ 2019

مسجد السلام – الطائف (22)

مهران ماهر عثمان

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سبق الحديث في الجمعة الماضية حول مصطلح: “التسامح الديني”، وعلمنا أنه مصطلح شائك يصدق على مدلولات عديدة، منها.

  1. قبول الديانات الأخرى واعتقاد أنها جميعاً مقبولة عند الله.
  2. لا إكراه في الدين.
  3. إحسان معاملة غير المسلم.

وكان الكلام عن الاحتمال الأول، وبينتُ نصوصَ الكتاب والسنة الدالة على أنه لا دينَ مقبول سوى دين الإسلام. وكعادة أهل الباطل، فإنهم لا يتركون قضية من مسلَّمات الدين إلا ويثيرون الشبهات حولها! لذا كان الحديث في خطبتنا الأولى هذه عما أثير من شبهات تتعلق بذلك.

الشبهة الأولى:

الإسلام لا يختص بدين رسول الله صلى الله عليه وسلم! وعليه: فأهلُ الكتاب مسلمون، ومصيرُهم في الآخرة مصير أتباع محمد صلى الله عليه وسلم!!

الإجابة:

قلنا: الإسلام له معنيان، الإسلام بالمعنى العام يطلق على: الانقياد والاستسلام لله، وإخلاص العبادة له.

قال تعالى عن نوح: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: 72].

وقال عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131].

وقال عن موسى: ﴿وقَالَ مُوسَى يَاقَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِين﴾ [يونس: 84].

وقال عن المسيح: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ [المائدة: 111].

وقد قال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: 44].

وقال تعالى عن ملكة سبأ: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: 44].

فالإسلام معناه في هذه الآيات: الانقياد لله وإخلاص العبادة له.

فكل من آمن بنبيه فهو مسلم؛ لأنه امتثل أمر الله فوحَّده واتبع نبيه الذي أرسله إليه.

وقد ختم الله الرسالات بمحمد صلى الله عليه وسلم، وأمر باتباعه، فكيف يكون مسلماً من كفر به!!؟ والكتب السابقة بشرت بنبينا صلى الله عليه وسلم وأمرت باتباعه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]. وقال عن عيسى عليه السلام: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6].

فمن خالف أمر الله بالإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فليس منقاداً، ومن كفر بخاتم الأنبياء فليس مسلماً.

فبعد البعثة المحمدية يكون معنى الإسلام كما عرَّفه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث جبريل الطويل: «الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنِ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» رواه البخاري ومسلم.

الشبهة الثانية:

نعت الله اليهود والنصارى بالكفر، ولم ينعتهم بالشرك.

والجواب عن هذا الجهل المركب يكون بطريقين، بالمنع والتسليم.

أما المنع فلأنَّ وَصْفَهم بالشرك ثابتٌ في القرآنِ والسنة والآثارِ الصحيحة.

أما القرآن فقد ورد ذلك في موضعين:

الأول: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [المائدة:72].

قال الإمام الطبري رحمه الله: “يقول الله تعالى ذكره: فلما اختبرتهم وابتليتهم بما ابتليتهم به أشركوا بي، وقالوا لخلق من خلقي وعبد مثلهم من عبيدي وبشر نحوهم معروف نسبه وأصله مولود من البشر يدعوهم إلى توحيدي ويأمرهم بعبادتي وطاعتي ويقر لهم بأني ربه وربهم وينهاهم عن أن يشركوا بي شيئاً: هو إلههم؛ جهلاً منهم بالله، وكفراً به” [تفسير الطبري 4/ 652]، فالشرك كما يكون في العبادة يكون بصرف الصفات التي لا تكون إلا لله لغير الله [انظر: تفسير البيضاوي 1/352]، ولهذا حُكم عليهم بالشرك.

الموضع الثاني: ﴿اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُون﴾ [التوبة:31].

فهذا نعت لهم بالشرك، قال الإمام الطبري مبيِّناً المراد بهؤلاء المشركين: “القائلون: ﴿عزير ابن الله﴾، والقائلون: ﴿المسيح ابن الله﴾، المتخذون أحبارهم أرباباً من دون الله” [جامع البيان 6/ 353].

ثبت عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ e وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ»، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ» رواه الترمذي. وللطبراني والبيهقي: قال عدي: إنَّا لسنا نعبدهم! فقال: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه»؟ قلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم».

وأما السنة فالأدلة كثيرة أذكر منها الحديث التالي:

عن أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ e يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الْأَحَدِ أَكْثَرَ مِمَّا يَصُومُ مِنْ الْأَيَّامِ وَيَقُولُ: «إِنَّهُمَا عِيدَا الْمُشْرِكِينَ؛ فَأَنَا أُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمْ» أخرجه أحمد وقوَّاه ابن تيمية.

ومن الآثار التي نعتت النَّصارى بالشرك ما ثبت عن عمر بن الخطاب t: “لا تدخلوا على المشركين في كنائسهم يوم عيدهم؛ فإن السخطة تنزل عليهم» رواه البيهقي، وعبد الرزَّاق.

وأما الإجابة بالتسليم فيقال: لو سلمنا بأنَّ الله لم ينعتهم بالشرك –وهذا باطل، وإنما هو تسليم جدلي محض لبيان باطلهم- أقول: لو سلمنا بذلك فقد نعتهم بالكفر، وكفرهم أكبر، والشرك نوع من أنواعه؛ لذا قال الله تعالى في قصة الجنتين: ﴿قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ [الكهف: 37]، قال له: ﴿أكفرت﴾، ثم قال: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ [الكهف:42].

ومنشأ هذه الشبهة: اعتقاد أصحابها أنّ الكفر محصور في الكفر الأصغر، وهذا خلط وجهل، فالكفر فيه الأصغر والأكبر، والشرك كذلك.

الشبهة الثالثة:

استدلالهم بقول الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة:82].

والجواب:

أنَّ من يقف عند هذا الحد من الآية كمن يقف على المصلين في قوله تعالى: ﴿فويل للمصلين﴾، لأنك لو استرسلت في قراءة الآية الكريمة فستجد بها قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ * وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ * وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ * فَأَثَابَهُمُ اللّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، فالآية في النصارى الذين آمنوا، وليست في الذين أصروا على كفرهم من الذين جاء وعيدهم في آخر الآيات البينات.

الشبهة الرابعة:

من قال اليهود ليسوا على شيء فقد شابه النصارى، ومن قال النصارى ليسوا على شيء شابه اليهود، والله أنكر على الطائفتين بقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة:113].

والجواب:

أولاً: قد قال الله ذلك فيهما، قال سبحانه: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [المائدة: 68].

ولو أقام أهل الكتاب كتبهم لآمنوا بنبينا صلى الله عليه وسلم.

ثانياً: معنى الآية: وقالت اليهود: ليست النصارى على شيء من الدين الصحيح، وكذلك قالت النصارى في اليهود وهم يقرؤون التوراة والإنجيل، وفيهما وجوب الإيمان بالأنبياء جميعا، فالآية تذمهم؛ لاختلافهم بسبب الإعراض عما في كتبهم.

الشبهة الخامسة:

الاستدلال بالآيات المبينة لنجاة اليهود والنصارى، كمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة:62].

والجواب:

أنّ هذه الآيات فيمن مات على الإسلام قبل بعثة النبي e، أو أدرك النبي e وآمن به، وهذا بلا خلاف، فقد أثنى الله تعالى على من آمن بما آمنا به من أهل الكتاب، قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 199]، ومن كفر منهم فقد ذمَّه الله، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: 70].

الشبهة السادسة:

الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللّهِ﴾ [المائدة: 43]، على أنهم على الحق!!

والجواب: ما قاله شيخ المفسرين الإمام الطبري: “كيف تقرون أيها اليهود بحكم نبيي محمد e مع جحودكم نبوته، وتكذيبكم إياه، وأنتم تتركون حكمي الذي تقرون به أنه حق عليكم واجب، جاءكم به موسى من عند الله؟ يقول: فإذ كنتم تتركون حكمي الذي جاءكم به موسى الذي تقرون بنبوته في كتابي، فأنتم بترك حكمي الذي يخبركم به نبيي محمد أنه حكمي أحرى مع جحودكم نبوته” [جامع البيان 4/587].

الشبهة السابعة:

أباح الله ذبيحتهم وحرَّم ذبيحة المشركين، وأباح الله النكاح من نسائهم وحرم نكاح المشركات، فهذا يدل على أنَّهم ليسوا بمشركين!!

الجواب: نصوص الشرع لا يناقض بعضها بعضاً، قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ [النساء:82].

فأهل الكتاب اختُصوا ببعض الأحكام، ولا يلزم هذا أنهم ناجون من الشرك الذي نُعتوا به في القرآن والسنة، فالدليل الخاص لا يبطل العام، وإنما يخصص بعض أفراده.

مثال ذلك:

تخصيص قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاَثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة228]، بقوله تعالى: ﴿وَأُولاَتُ الأحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلهن﴾ [الطلاق4]، فالآية الأولى عامة في الحوامل وغيرهن، وخص أولات الأحمال بالآية الثانية، فتخرج الحوامل من العموم، وكذلك خص من عموم المطلقات غير المدخول بها، بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49].

الشبهة الثامنة:

الاستدلال بقوله تعالى: ﴿فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءكَ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [يونس:94].

قال الإمام القرطبي المالكي: “الخطاب للنبي e والمراد غيره… أي: قل يا محمد للكافر: فإن كنتَ في شك مما أنزلنا إليك، ﴿فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك﴾، أي: يا عابد الوثن إن كنت في شك من القرآن فاسأل من أسلم من اليهود، يعني: عبد الله بن سلام وأمثاله” [الجامع لأحكام القرآن 8/339].

الشبهة التاسعة:

أليست رحمة الله قد وسعت كل شيء؟ فلم تحكمون عليهم بأنهم في النار؟!

والجواب:

نعم، رحمة الله وسعت كل شيء، لكن من أهلها؟ قال سبحانه: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 156، 157].

وأما الحكم عليهم بأنَّهم في النار فهذا حكمُ الله تعالى وليس حكمَنا، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 39].

رب صل وسلم على نبينا محمد.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

واحد × 1 =

شاهد أيضاً

إغلاق