مسابقة بينات وشبهات

مسابقة بينات وشبهات2

بسم الله الرحمن الرحيم

#مسابقة_بينات_وشبهات  الحلقة (2)

الانقياد لله

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

== ===

فإن الله تعالى لا يقبل من عباده سوى دين الإسلام

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85].

وهذا يعني أن الدين المقبول عند الله هو دين الإسلام، وأن كل دين سواه غير مقبول؛ لأن الدين الصحيح ما يرضي الله عن فاعله ويثيبه عليه، ﴿وهو في الآخرة من الخاسرين﴾، أي: الواقعين في الخسران يوم القيامة، وهو حرمان الثواب وحصول العقاب.

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾ [النساء:47].

“والطمس يردها إلى مواضع القفا والقفا إلى مواضعها” [فتح البيان في مقاصد القرآن 3/ 142].

وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً﴾ [المائدة: من الآية3].

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار».

== ===

فما معنى قول أحدنا: أنا مسلم؟

الإسلام الاستسلام لله تعالى، ولا تستقر قدمُ عبد في دين الله إلا إذا استسلم وانقاد له.

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: “أصل الإسلام: الاستسلام، لأنه من استسلمت لأمره، وهو الخضوع لأمره” [تفسير الطبري 2/510].

وقال: “القول في تأويل قوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾: يعني بذلك جل ثناؤه: ورضيت لكم الاستسلام لأمري، والانقياد لطاعتي” [تفسير الطبري 9/522].

فالإسلام هو الانقياد.

== ===

فما هو الانقياد؟

المراد من التسليم والانقياد لأحكام الشرع أمران:

الرضا بما حكم به الشرع وقضى.

والعمل به.

دلت على ذلك آية في كتاب الله تعالى، قال ربنا: قول الله تعالى: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ [النساء: 65].

قال الشيخ محمد بن إبراهيم في تحكيم القوانين: “فقد نفى الله سبحانه وتعالى الإيمان عمن لم يُحَكِّموا النبي صلى الله عليه وسلم، فيما شجر بينهم، نفيا مؤكدا بتكرار أداة النفي وبالقسم، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء:65]. ولم يكتف تعالى وتقدس منهم بمجرد التحكيم للرسول صلى الله عليه وسلم، حتى يضيفوا إلى ذلك عدم وجود شيء من الحرج في نفوسهم، بقوله جل شأنه: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾. ولم يكتف تعالى أيضا هنا بهذين الأمرين، حتى يضموا إليهما التسليم: وهو كمال الانقياد لحكمه صلى الله عليه وسلم، بحيث يتخلّون هاهنا من أي تعلق للنفس بهذا الشيء، ويسلموا ذلك إلى الحكم الحق أتمّ تسليم، ولهذا أكّد ذلك بالمصدر المؤكّد، وهو قوله جلّ شأنه: ﴿تسليمًا﴾ المبيّن أنه لا يُكتفى هاهنا بالتسليم.. بل لا بدّ من التسليم المطلق”.

فلا خيار مع أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم

قال سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].

فهذا الذي يعارض أمر الله يقال له: أنت مسلم؟

فإن قال: مسلم، قلنا يتعين عليك العمل بما في كتاب الله وبما سنة نبيه صلى الله عليه وسلم ولا خيار لأحد في ذلك.

الطاعة المطلقة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

== ===

التربية على الانقياد لأمر الله تعالى

1/

يقول ربنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة/26]، هذا حال المؤمنين، ينقادون لأمر الله ولا يجادلون.

2/

ولما تحوَّلت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة –زادها الله تشريفاً- تكلم من تكلم من المنافقين وأهل الكتاب والمشركين، فسماهم الله ﴿سفهاء﴾، لنعلم أن السفيه من كان الطعن في دين الله دأبه والاعتراض هجيراه! ثم بين ربنا أن البر  أن ينقاد المسلمون لأمر الله، لا أن يصلوا إلى تلك الجهة أو إلى غيرها، قال تعالى: ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة/177].

ومسألة تحول القبلة أخذت صفحتين في المصحف، وتكرر الأمر باستقبال الكعبة في هاتين الصفحتين ثلاث مرات:

  • ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144].
  • ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 149].
  • ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: 150]

ما هي الحكمة من ذلك؟ لأن هذه المسألة كما قال ابن عباس رضي الله عنهما كانت أول قضية نسخ في الإسلام، فكانت كما قال بعض الفضلاء كدورة تدريبة للصحابة، تخرجوا فيها وقد علموا ما معنى الانقياد لأمر الله، فلم تأخذ مسألة أخرى من مسائل النسخ بعد ذلك هذا الحيز من القرآن.

3/

في صحيح مسلم، لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ لله ما في السموات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير﴾ [البقرة/284]، اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب! فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق؛ الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا! بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير»، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [البقرة/285]، فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجل: ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾، قال: (نعم). ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾، قال: (نعم). ﴿ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾، قال: (نعم). ﴿واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين﴾. قال: (نعم).

4/

أم المؤمنين عائشة ضي الله عنها تربي النساء على الانقياد لله تعالى

في الصحيحين، عن معاذة أن امرأة سألت عائشة رضي الله عنها فقالت: أتقضي إحدانا الصلاة أيام محيضها؟ فقالت عائشة: “أحرورية أنت؟ قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لا تؤمر بقضاء”.

ولا بأس من التعرف على الحكم من أحكام الله وأمره، وأنا على مثل اليقين بأن أمنا عائشة رضي الله عنها تعلم أن الحكمة من ذلك أن صوم رمضان عبادة تأتي في العام مرة، والصلاة متكررة، ولكنها أرادت أن تعلمها أن الإسلام هو الانقياد لله. فرق أيها الأحبة بين من يبحث عن الحكم من أوامر الله ليزداد بها إيمانا وبين من يبحث عنها ليعمل! فلا يعمل بالنص إلا إذا علم مغزاه والمراد به!

== ===

في الإسلام كثر من العبادات غير معقولة المعنى

فما معنى أن يتطهر المسلم بالتراب إذا لم يجد الماء؟

وما معنى أن الظهر أربع ركعات؟

ولم لم يكن المغرب مثلها؟

وما معنى أن نطوف سبعة أشواط؟

وفي رمي الجمار ما معنى أن نرمي حجراً بحجر؟

وما معنى تقبيل الحجر الأسود؟

وما أكثر الأمثلة في هذا الباب.

== ===

لقد بين ربنا ما للاستسلام لأمره وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم من عاقبة حميد

1/

قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 22].

قال ابن كثير رحمه الله: “يَقُولُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ، أَيْ: أَخْلَصَ لَهُ الْعَمَلَ وَانْقَادَ لِأَمْرِهِ وَاتَّبَعَ شَرْعَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أَيْ: فِي عَمَلِهِ، بِاتِّبَاعِ مَا بِهِ أُمِرَ، وَتَرْكِ مَا عَنْهُ زُجِرَ، ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ أَيْ: فَقَدْ أَخَذَ مُوَثِقًا مِنَ اللَّهِ مَتِينًا أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُهُ، ﴿وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الأمُورِ﴾” [تفسير ابن كثير (6/ 347)].

2/

﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) ﴾ [البقرة: 111، 112].

3/

وقال: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125].

أي: لا أحد أحسن دينًا ممن انقاد بقلبه وسائر جوارحه لله تعالى وحده، وهو محسن، واتبع دين إبراهيم وشرعه، مائلا عن العقائد الفاسدة والشرائع الباطلة. وقد اصطفى الله إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- واتخذه صفيّاً من بين سائر خلقه. وفي هذه الآية، إثبات صفة الخُلّة لله -تعالى- وهي أعلى مقامات المحبة، والاصطفاء.

== ===

والإعراض عما جاء به الشرع من صفات المنافقين

قال سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا﴾ [النساء: 61]. وقال: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُوْلَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَن يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُون﴾ [النور: 47-50]. وأما المؤمنون فحالهم كما قال ربهم: ﴿إنما  كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ [النور: 51].

== ===

نماذج الانقياد

انقياد الملائكة لله تعالى

ماذا نقول فيمن سجد لغير الله؟ بماذا نحكم عليه؟ يكون مشركاً بلا ريب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن السجود لا يكون إلا لله» رواه أحمد، قالها لأصحابه لما سجد له بعير فقالوا: يارسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك، نحن أولى بأن نسجد لك! فالسجود لا يصرف إلا لله، لكن إذا كان السجود لغير الله بأمر الله كان طاعة وقربة لله، أمرت الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام فسجدوا وأبى إبليس فكان من الكافرين المعتدين الظالمين. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة/34].

انقياد الأنبياء لله تعالى

من المسلَّمات في دين الله أن من أقدم على قتل ولده فقد أمسك بالجرائر من نواصيها!

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام/151]..

﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾  [الإسراء/31]..

﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام/137]..

﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام/140]..

ولكن لما أقدم الخليل على ذبح ولده كان فعله طاعة واستسلاما وانقياداً، قال ربنا: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِين﴾  الصافات[99-110]. فكان الاستسلام منهما؛ لأن الوالد اتبع ما أوحي إليه، والولد لم يجزع وإنما حث أباه على تنفيذ أمر ربه؛ ولذلك قال الله عنهما: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾.

إنَّ من الذنوب أن يترك الإنسان زوجه وولده في مكان لا حياة فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت» رواه أحمد وأبو داود. لكن لما حدث هذا بأمر الله كان طاعة لله وانقيادا له، ترك إبراهيم هاجر وإسماعيل عليه السلام –وكان رضيعاً- في صحراء لا حياة فيها ولا أنيس! وكان هذا انقيادا لأن الله أمر به ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم/37].

وتأمل في انقياد نوح عليه السلام لله تعالى في هذه الآيات: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)﴾ [هود: 46، 47].

انقياد أتباع الأنبياء لله تعالى

أرأيتم كيف عظم الله تعالى الدماء؟ أعظم ذنب عصي الله به بعد الشرك: القتل، ويكون القتل طاعة إذا أمر الله به، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة/54]، قال ابن عباس رضي الله عنهما: “توبتهم أن يقتل كل واحد منهم كل من لقي من ولد ووالد فيقتله بالسيف، ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن” [تفسير ابن كثير 1/262].

أليس في القرآن وعيد لمن أخر الصلاة؟ أليست الصلاة في وقتها من أعظم أعمال الخير وأبوابه؟ ومع ذلك لما صلاها الصحابة بعد انتهاء وقتها في بني قريظة كان تأخيرها طاعة لله؛ لأنه كان بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا هو الانقياد لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ماذا قال عمر رضي الله عنه للحجر الأسود لما قبَّله؟ أما علمنا درسا بليغا من دروس الانقياد لله؟ في الصحيحين عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب قال وهو يطوف بالبيت للركن الأسود: “إنما أنت حجر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلك ما قبلتك” ثم قبله.

وثبت عند الترمذي، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي البَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ [البقرة: 219]، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي النِّسَاءِ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43]، فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنَ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانَ شِفَاءٍ، فَنَزَلَتِ الَّتِي فِي المَائِدَةِ: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ [ص:254] فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ﴾ [المائدة: 91]- إِلَى قَوْلِهِ – ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] فَدُعِيَ عُمَرُ فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ فَقَالَ: «انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا».

وفي صحيح البخاري، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: “يَرْحَمُ اللَّهُ نِسَاءَ المُهَاجِرَاتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: 31] شَقَّقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهَا “

و”مرطوهن”، جمع مرط وهو الإزار والإزار هو الملاءة.

وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، أَنَّهُ زَوَّجَ أُخْتَهُ رَجُلاً مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَتْ عِنْدَهُ مَا كَانَتْ، ثُمَّ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً لَمْ يُرَاجِعْهَا حَتَّى انْقَضَتِ العِدَّةُ، فَهَوِيَهَا وَهَوِيَتْهُ، ثُمَّ خَطَبَهَا مَعَ الخُطَّابِ، فَقَالَ لَهُ: يَا لُكَعُ أَكْرَمْتُكَ بِهَا وَزَوَّجْتُكَهَا فَطَلَّقْتَهَا، وَاللَّهِ لاَ تَرْجِعُ إِلَيْكَ أَبَدًا آخِرُ مَا عَلَيْكَ، قَالَ: فَعَلِمَ اللَّهُ حَاجَتَهُ إِلَيْهَا، وَحَاجَتَهَا إِلَى بَعْلِهَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ فَلَمَّا سَمِعَهَا مَعْقِلٌ قَالَ: سَمْعًا لِرَبِّي وَطَاعَةً، ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ: أُزَوِّجُكَ وَأُكْرِمُكَ. رواه البخاري، والترمذي، واللفظ له.

وهذا عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من الأنصار: «زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ».

فَقَالَ: نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ وَنُعْمَ عَيْنِي. (ونعمة أو نعم عيني، بكسر وضم نون نعْمَة: هذا ما تقر به عيني، وسأفعل ذلك نعمة عين: إكراماً لعينك).

قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي».

قَالَ: فَلِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: «لِجُلَيْبِيبٍ».

فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُشَاوِرُ أُمَّهَا!

فَأَتَى أُمَّهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ابْنَتَكِ.

فَقَالَتْ: نِعِمَّ. وَنُعْمَةُ عَيْنِي.

فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَخْطُبُهَا لِجُلَيْبِيبٍ.

فَقَالَتْ: أَجُلَيْبِيبٌ إنِيهْ؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنيه؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنيه؟ لَا لَاهَا اللهُ إِذًا، مَا وَجَدَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا جُلَيْبِيبًا وَقَدْ مَنَعْنَاهَا مِنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ؟ قَالَ: وَالْجَارِيَةُ فِي سِتْرِهَا تَسْتَمِعُ. قَالَ: فَانْطَلَقَ الرَّجُلُ يُرِيدُ أَنْ يُخْبِرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ، فَقَالَتِ الْجَارِيَةُ: أَتُرِيدُونَ أَنْ تَرُدُّوا عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ؟ إِنْ كَانَ قَدْ رَضِيَهُ لَكُمْ، فَأَنْكِحُوهُ قَالَ: فَكَأَنَّهَا جَلَّتْ عَنْ أَبَوَيْهَا، وَقَالَا: صَدَقْتِ. فَذَهَبَ أَبُوهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: إِنْ كُنْتَ قَدْ رَضِيتَهُ فَقَدْ رَضِينَاهُ. قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ رَضِيتُهُ». فَزَوَّجَهَا، ثُمَّ فُزِّعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، فَرَكِبَ جُلَيْبِيبٌ فَوَجَدُوهُ قَدْ قُتِلَ، وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ قَتَلَهُمْ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهَا وَإِنَّهَا لَمِنْ أَنْفَقِ ثَيِّبٍ وفي لفظ: بيت فِي الْمَدِينَة. رواه أحمد.

في النهاية في غريب الحديث والأثر (1/78) توضيح لمعنى كلمة “إنيه”، قال: “اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ اخْتِلَافًا كَثِيراً، فَرُوِيَتْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالنُّونِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا هَاءٌ، وَمَعْنَاهَا أَنَّهَا لَفْظَةٌ تَسْتَعْمِلُهَا الْعَرَبُ فِي الْإِنْكَارِ، يَقُولُ الْقَائِلُ جَاءَ زَيْدٌ، فَتَقُولُ أنت: أزيد نيه، وأ زيد إِنِيه كَأَنَّكَ اسْتَبْعَدت مَجِيئَهُ. وَحَكَى سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ قِيلَ لِأَعْرَابِيٍّ سكَنَ الْبَلَدَ: أَتَخْرُجُ إِذَا أخصَبَت الْبَادِيَةُ؟ فَقَالَ: أَأَنَا إِنِيه؟ يَعْنِي أَتَقُولُونَ لِي هَذَا الْقَوْلَ وَأَنَا مَعْرُوفٌ بِهَذَا الْفِعْلِ، كَأَنَّهُ أَنْكَرَ اسْتِفْهَامَهُمْ إِيَّاهُ

وفي معالم السنن (2/301) معنى كلمة “لاها الله إذاً، هكذا يروى، والصواب: لا ها الله ذا بغير ألف قبل الذال، ومعناه في كلامهم لا والله يجعلون الهاء مكان الواو، ومعناه لا والله لا يكون ذا”.

وفي مسلم: قال النبي صلى الله عليه وسلم بعد القتال في هذه المعركة: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ؟» قَالُوا: نَعَمْ، فُلَانًا، وَفُلَانًا، وَفُلَانًا، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَفْقِدُونَ مِنْ أَحَدٍ»؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: «لَكِنِّي أَفْقِدُ جُلَيْبِيبًا، فَاطْلُبُوهُ» فَطُلِبَ فِي الْقَتْلَى، فَوَجَدُوهُ إِلَى جَنْبِ سَبْعَةٍ قَدْ قَتَلَهُمْ، ثُمَّ قَتَلُوهُ، فَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «قَتَلَ سَبْعَةً، ثُمَّ قَتَلُوهُ هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ، هَذَا مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ» قَالَ: فَوَضَعَهُ عَلَى سَاعِدَيْهِ لَيْسَ لَهُ إِلَّا سَاعِدَا النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: فَحُفِرَ لَهُ وَوُضِعَ فِي قَبْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلًا. والغزوة هي أحد.

== ===

عاقبة الاعتراض على حكم الله

الاعتراض والتوقف في التسليم إنما هو اتبّاع لإبليس -لعنه الله- الذي رفض الانقياد للأمر الإلهي، وجاء بحجج واهية متهاوية في تبرير عصيانه فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ الأعراف﴾ [الأعراف: 12]، فاعترض بالقياس العقلي على الأمر الشرعي، ولا تسليم له أيضاً في قياسه العقلي فقياسه فاسد، فالطين أفضل من النار؛ لأن النار تحرق، والطين ينبت الكلأ والزرع وطعام الناس والماشية، فكانت النتيجة أن نال وسام العصيان لذي الجلال، مع اللعنة على الدوام.

قال تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾  [هود: 42، 43]. فقول الابن: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ ‏ﻫﺬﺍ ﻋﻘﻞ.

وقول النبي عليه السلام: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ ﻫﺬﺍ ﻧﺺ.

وقول ربنا: ﴿ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ ﻫﺬﻩ نتيجة.

فكل من قدم عقله على النص يُخشى عليه من مثلها!

قال ابن تيمية رحمه الله: “ولهذا تجد من تعود معارضة الشرع بالرأي لا يستقر في قلبه الإيمان” [درء تعارض العقل والنقل (1/ 178)].

اللهم اجعلنا من خير المسلمين المنقادين لأمرك.

رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

عشرين − 15 =

شاهد أيضاً

إغلاق