مسابقة بينات وشبهات

مسابقة بينات وشبهات3

بسم الله الرحمن الرحيم

#مسابقة_بينات_وشبهات  الحلقة (3)

هيمنة الشرع

الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

الحكم بما أنزل الله

فدلت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى على أن الحكم لله رب العالمين:

قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:10]، وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:12]، وقال تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:88]، وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:50]، وقال: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:62]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:41].

والتحاكم إلى غير شريعة الله تحاكم إلى الطاغوت، وهذا صنيع المنافقين، لا يكون إلا منهم، فالذي يتحاكم إلى غير الشريعة منافق، فكيف بمن ينادي إلى إلغائها!! لا ريب أنه رأس في النفاق.

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء/60-63]

وقال: ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور/47-51].

والأمر بالتحاكم إلى ما أنزل الله هنا أكد بمؤكدات ثمانية في بعض الآيات:

بيّن ربنا تعالى أن الحكم بغير ما أنزل الله حكم الجاهلين، وأن الإعراض عن حكم الله تعالى سبب لحلول عقابه وبأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين، يقول سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة/49، 50].

والمؤكدات الثمانية هي:

الأول: الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.

الثاني: أن لا تكون أهواء الناس ورغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال وذلك في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾

الثالث: التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير، والصغير والكبير، بقوله سبحانه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.

الرابع: أن التولي عن حكم الله وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم موجب للعقاب الأليم، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾.

الخامس: التحذير من الاغترار بكثرة المعرضين عن حكم الله، فإن الشكور من عباد الله قليل، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.

السادس: وصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم الجاهلية، يقول سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.

السابع: تقرير المعنى العظيم بأن حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها، يقول عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾.

الثامن: أن مقتضى اليقين هو العلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأن الواجب الانقياد له، مع الرضا والتسليم، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[من كلمة للعلامة ابن باز رحمه الله، في رسالته: وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه].

الشرك ليس معنى قاصراً على عبادة الأصنام! فمن تبع أحداً في تشريع ما لم يأذن به الله فقد عبده واتخذه رباً وإلهاً!

قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:21].

وما دلت عليه الآيات القرآنية من كون الله هو الحَكَم وأن الحكم والتشريع له وحده قد دلت عليه أيضًا السنة الصحيحة؛ فعن شريح بن هانئ عن أبيه هانئ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «انَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ»؟ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ». قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللهِ، قَالَ: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ»؟. قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني.

يقول ابن الأثير معلقًا على الحديث: “وإنما كره له ذلك؛ لئلا يشارك الله في صفته” [النهاية في غريب الحديث 1/419].

وفي دعاء الاستفتاح في صلاة التهجد يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ» متفق عليه، أي: رفعت الحكم إليك ولا حكم إلا لك.

وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: «﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾»، [التوبة: 31] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» رواه الترمذي والطبراني.

فمن الشرك: أن تشرع مادة في القانون تخالف بها حكم الله، ومن الشرك طاعة أحد فيما فيه مخالفة لله تعالى.

مناقشة من ينادي بفصل الدين عن الدولة

1/ كيف يفصل الدين عن الدولة وربنا سبحانه الذي خلقنا أمرنا بأن نحكم دينه وشرعه؟

2/ هل الدين والدولة يعيشان في منطقتين مستقلتين لا تماس بينهما، أم أنهما متداخلان؟ لا يريب أن الدين له حكم في العلاقات بين الجنسين، وفي العلاقات الأسرية، والاجتماعية، وفيما يحل أكله وشربه وما يحرم، وهكذا. وكلها أمور تدخل بالضرورة في مجال الدولة.

بل إن الأمور الشخصية قد تدخل في دائرة مؤسسات الدولة.

فلو أن رجلاً طلق زوجته، ثم أعادها، ثم طلقها، ثم أعادهان ثم طلقها، وأراد أن يعيدها إلى عصمته، واختصما إلى القضاة، هذه مسألة شخصية بحته، دخلت في دائرة مؤسسات الدولة بسبب الخصومة بين الزوجين، فالسؤال:

بماذا سيحكم القاضي؟

سيقضي بأنه ليس من حقه أن يرجعها لقول ربنا: ﴿الطلاق مرتان﴾، أي: الطلاق الذي يملك فيه الزوج حق الرجعة، وهذا بيان عملي بأنه لا يمكن فصل الدين عن مؤسسات الدولة، وإذا قضى بردها إليه كانا زانيين.

3/ العلمانية لم تعد محايدة بين الأديان بل صارت هي نفسها ديناً.

فما معنى الدين؟

في المعجم الوسيط (1/307)  “(الدّين) الدّيانَة وَاسم لجَمِيع مَا يعبد بِهِ الله وَالْملَّة وَالْإِسْلَام والاعتقاد بالجنان وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَعمل الْجَوَارِح بالأركان والسيرة وَالْعَادَة وَالْحَال والشأن والورع والحساب وَالْملك وَالسُّلْطَان وَالْحكم وَالْقَضَاء وَالتَّدْبِير”.

ومنه قول ربنا: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: 76].

والمراد “في قضاء الملك، لأن قضاء الملك أن من سرق إِنما يُضرب ويُغرَّم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وبيانه أنه لو أجرى أخاه على حكم الملك ما أمكنه حبسه، لأن حكم الملك الغرم والضرب فحسب، فأجرى الله على ألسنة إِخوته أن جزاء السارق الاسترقاق” [زاد المسير في علم التفسير (2/ 459)].

قال المُثَقِّب العبدي عن ناقته:

تقُـــولُ إِذَا دَرَأتُ لهـــــا وَضِينِــــي***أَهـــــــذا دِينُـــــــهُ أَبَــــــداً ودِيـنِـي

أي:

تقول هذه الناقة بلسان حالها وقد وضعت عليها الأحزمة والسيور فعلمت أني أريد أن أمضي بها بعيدا أتبقى هذه عادته وعادتي هكذا إلى الأبد _أي: عادة الارتحال-؟

فإذا كان دوام الحل والارتحال ديناً، فما بالك باعتياد معتقدات وقيم وسلوك؟ فلا يخدعنك علماني، فالعلمانية دينن والإسلام دين، وعليك أن تختار ديناً من هذين الدينين.

فدين الملك نظامه وشريعته. وكذلك: دين الله، فهو نظامه وشريعته.

إن صاحب كتاب (العالمانية طاعون العصر) عقد فصلا كاملاً لبيان أن العلمانية دين عند أهلها، وأورد العديد من النقول في ذلك.

4/ إن أكثر ما يتعلل به دعاة العلمانية في بلادنا هو اختلاف الأديان في البلد الواحد.

والسؤال:

ماذا إذا لم يكن في البلد إلا مسلمون، أو كان غير المسلمين أفراداً قلائل؟ كم نسبة المسلمين اليوم في السودان؟ لماذا تُراعى هذه القلة على حساب الغالبية من المسلمين، هل تراعي أمريكا وفرنسا وغيرها القلة المسلمة في تشريعاتها، أم أن الأقلية المسلمة هناك يخضعون لقوانينهم التي تصادم شريعتهم في كثير من القضايا، ما الذي يمنع أن يُسن هنا قانون يراعي الأغلبية وينطبق على الجميع كما هو الحال في تلك الدول!؟

5/ يقال لمن ينادي بفصل الدين عن الدولة:

النقاط التي تفارق فيها العلمانية خط الإسلام، هل وجدتم لله فيها تشريعاً وحكماً أم لا؟ لا ريب أن الله قد حكم فيها، فهل نأخذ بما قضى به الله أم بما قضت به العلمانية!؟

6/ يقولون: لم ترد كلمة السياسة في القرآن، فهذا يدل على أن الإسلام لا علاقة له بالسياسة!! ونقول لهم: ولم ترد كلمة العقيدة في القرآن فهل يعني ذلك ألا نكون على عقيدة! لم ترد لكن كل صفحات كتاب الله عقيدة، لم ترد كلمة (الفضيلة)، لكن القرآن يدعو إليها.

فلم تأت كلمة السياسة، لكن جاءت كلمة الملك، والحكم، وبين الله أنه الحكم، والحكيم، وبين أن من أشرك في حكمه أحداً فقد كفر.

وفي السنة «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء» رواه البخاري ومسلم، والمعنى: “يَتَوَلَّوْنَ أُمُورَهُمْ كَمَا تَفْعَلُ الْأُمَرَاءُ وَالْوُلَاةُ بِالرَّعِيَّةِ وَالسِّيَاسَةُ الْقِيَامُ عَلَى الشيء بما يصلحه” [شرح النووي على مسلم 12/ 231].

7/ مما سبق نعلم ما هي السياسة؟

قال النووي: وَالسِّيَاسَةُ الْقِيَامُ عَلَى الشيء بما يصلحه.

فهل يستطيع أحد أن يدعي أن النظام الذي جاء به يصلح دنيا وآخرة الناس أكثر مما جاء به الله تعالى!؟ هل يجرؤ أحد على ذلك؟! ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، ألا يعلم ربُّ العالمين خَلْقه وشؤونهم، وهو الذي خَلَقهم وأتقن خَلْقَهُمْ وأحسنه؟ وهو اللطيف بعباده، الخبير بهم وبأعمالهم.

8/ تأكيد على مسأل سبق بيانها، وسؤال مطروح على العلمانيين:

لما ثار الناس على حكومة الإنقاذ هل ثاروا للمطالبة بأن نجعل شهادة المرأة كشهادة الرجل في كل أحوالها؟ هل ثاروا لخلع الحجاب؟ هل ثاروا لفصل الدين عن السياسة والدولة؟

ثاروا ضد الاستبداد والظلم وشظف العيش، ولم يثر أحد ضد دين الله تعالى.

 

ما معنى هيمنة الشرع؟

تعلقه بكل شأن من شؤون حياتنا.

والكلام في محاور:

  • تعلقه بالشأن الخاص.
  • تعلقه بعلاقة الإنسان بغيره.
  • تعلقه بدستور البلاد وعلاقة الدولة بمواطنيها.

 

هيمنة الشرع على الشأن الخاص

ففي الطعام والشراب آدابٌ تتعلق بهما:

فإذا أراد أحدنا أن يأكل فمن السنة أن يسمي، وأن يأكل بيمينه، وأن يأكل مما يليه، ولا ينبغي إعابة الطعام، ومن السنة الاجتماع عليه، ولا يصح القران بين التمر ونحوه، وينهى عن الأكل حال الاتكاء، ويأكل أحدنا بثلاثة أصابع، ويتنفس ثلاثاً إذا شرب، ومن السنة أن يجلس إذا أراد الشرب، وينهى عن النفخ في الشراب، وساقي القوم آخرهم شرباً، ولا يشرب في إناء الذهب والفضة.

وفي اللباس تشريعات وأحكام

فالحجاب مفروض على المؤمنات، قال ربنا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59]، والحرير محرم على الرجال، ويُنهى عن ثوب شهرةٍ، وزي كافرٍ.

وفي النوم:

يُسن الاضطجاع على الشق الأيمن، وقبل النوم يقول من أوى إلى فراشه عدداً من الأذكار، ونجد نهياً في السنة عن النوم على البطن، ففي الحديث أنها «ضِجعة يبغضها الله».

فما من شأن من شؤون حياتنا إلا ولله تعالى فيه حكمٌ وتشريعٌ:

في صحيح مسلم، عَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه، قَالَ: قِيلَ لَهُ: قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى قضاء الحاجة، قَالَ: فَقَالَ: أَجَلْ «لَقَدْ نَهَانَا أَنْ نَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ لِغَائِطٍ، أَوْ بَوْلٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِالْيَمِينِ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، أَوْ أَنْ نَسْتَنْجِيَ بِرَجِيعٍ أَوْ بِعَظْمٍ».

إذا دخل الإنسان بيته أو خرج أو دخل المسجد أو خرج أو أصبح أو أمسى أو ركب سيارته قال دعاءً معيناً، فعلمنا نبينا صلى الله عليه وسلم أن نذكر الله في كل أحوالنا.

منع المرأة من النمص وإبداء الزينة ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: 31].

أوجب ألا تسافر إلا معى ذي محرم.

 

هيمنة الشرع على علاقة الإنسان بغيره

وهذه نماذج يَبينُ لنا معها ذلك:

عدم إفشاء السر.

ففي مسند أحمد، عنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ حَدِيثًا، فَالْتَفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ».

كف الأذى

عن جرير بن عبدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في حَجَّةِ الْوَدَاعِ: «اسْتَنْصِتِ النَّاسَ»، ثُمَّ قَالَ: «لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». متفقٌ عَلَيْهِ.

إكرام الضيف

عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» أخررجه الشيخان.

وبين شرعنا حق المسلم على أخيه

عن أَبي هريرة رضي الله عنه: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «حَقُّ المُسْلِمِ عَلَى المُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلاَمِ، وَعِيَادَةُ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ العَاطِسِ» متفقٌ عَلَيْهِ.

وفي الحديث: «إنَّ اللهَ – عز وجل – يَقُولُ يَومَ القِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّ عَبْدِي فُلاَنًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عِنْدَهُ! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أطْعِمُكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمِينَ؟! قَالَ: أمَا عَلِمْتَ أنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ أطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي! يَا ابْنَ آدَمَ، اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِي! قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أسْقِيكَ وَأنْتَ رَبُّ العَالَمينَ؟! قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلاَنٌ فَلَمْ تَسْقِهِ! أمَا عَلِمْتَ أنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي!» رواه مسلم.

وفي إفشاء السلام بين لنا ديننا من يسلم على من؟ وكيف نرد على كافر إذا سلم علينا، ومتى نقول له: وعليكم.

بينت لنا شريعتنا أحكام الاستئذان، وأن الرجل يستأذن على أمه وأخته.

بين لنا ديننا الذي يهيمن على كل شؤون حياتنا:

العلاقة مع المحتضر، والميت.

وحسن الخلق مع الناس رُغب فيه بكثير من نصوص الشرع.

وفي الدين حث على الإحسان إلى الأرملة، والمسكين، اليتيم.

بين شرعنا ما في الإحسان إلى الجار من خير عظيم، وما في الإساءة إليه من إثم عظيم.

وعلاقة الوالد بولده، والولد بوالده مما نطقت ببيانها نصوص ديننا.

في شرعنا دعوة إلى توقير الكبير، ورحمة الصغير.

 

هيمنة الشرع على علاقة الدولة بمواطنيها

بين ديننا أن الدستور الذي يتحاكم الناس إليه لابد أن يكون مستمداً من الوحيين: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) ﴾ [النساء: 105].

وهذه سبق الحديث عنها في خطبة (فصل الدين عن الدولة).

وبين لنا ديننا المهيمن على كل تفاصيل حياتنا علاقة الحاكم بالمحكوم، والراعي بالرعية، متى يطاع الحاكم؟ ومتى يُخرج عليه، وينابذ بالسيف؟

قال ربنا: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162].

ومعنى الآية: قل -أيها الرسول- لهؤلاء المشركين: إن صلاتي، ونسكي، أي: ذبحي لله وحده، لا للأصنام، ولا للأموات، ولا للجن، ولا لغير ذلك مما تذبحونه لغير الله، وعلى غير اسمه كما تفعلون، وحياتي أجعلها في طاعة الله، وبعد الموت يكون المصير إلى الله فيجازي من انقاد إلى أحكامه بالجنة، وتكون النار مآلا للمعرضين.

وللمفسرين في معنى: ﴿وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قولان:

أحدهما: أن معناه: لا يملك حياتي ومماتي إلا الله.

والثاني: حياتي لله في طاعته، ومماتي لله في رجوعي إلى جزائه. ومقصود الآية أنه أخبرهم أن أفعالي وأحوالي لله وحده، لا لغيره كما تشركون أنتم به.

وقال سبحانه آمراً نبيه بالرجوع إلى شريعة الله المهيمنة في كل أمر: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [الجاثية: 18، 19]

وهذا أمر له ولأمته، قال سبحانه: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) ﴾ [هود: 112].

فاستقم -أيها النبي- كما أمرك ربك أنت ومن تاب معك، ولا تتجاوزوا ما حدَّه الله لكم، إن ربَّكم بما تعملون من الأعمال كلها بصير، لا يخفى عليه شيء منها، وسيجازيكم عليها.

دخل دين الإسلام في كل شأن عام وخاص فكيف نفصل بينه وبين السياسة وإنما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم ليسوس به الناس؟!

في مسند أحمد “حبس النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً في تهمة”.

في سنن أبي داود: منع الغال من الغنيمة وحرَّق متاعه.

قال في مانعي الزكاة: «إنا آخذوها وشطر ماله» رواه أحمد.

أمر بإراقة الخمور، وإراقة قدور الحمُر الأهلية.

أقام الحدود؛ فجلد المفتري، واقتص من القاتل، ورجم الزاني، وقطع يد السارق، وأرسل من يقتل من تزوج بامرأة أبيه.

راسل الملوك ودعاهم إلى دين الإسلام.

أبرم المعاهدات.

هذا في الشأن العام، في الشأن الخاص:

 

وهذه بعض عناوين أبواب الفقه، تؤكد على هيمنة ديننا على كل شؤون حياتنا

  • البيوع
  • القرض
  • الرهن (توثقة دين بعين)
  • الكفالة (التزام إحضار مَنْ عليه حق مالي لربه، إلى مجلس الحكم)
  • الحوالة : نقل الدين من ذمة أحد إلى آخر.
  • الحجْر (منع شخص من أن يتصرف في ماله)، (فَإِنْ آَنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: 6]
  • الوكالة (الوكالة تفويض شخصٍ غيرَه؛ ليقوم مقامه)
  • الشَّركة (وشرعاً: هي الاجتماع في استحقاق أو تصرف).
  • الإجارة
  • الشُّفعة (استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه)، اثنان مشتركان في قطعة أرض لا يبيع أحدهما إلا بإذن من الآخر وهو أحق بالشراء من غيره.
  • المزارعة والمساقاة: فالمزارعة: دفع أرض لمن يزرعها، أو حبٍ لمن يزرعه ويقوم عليه بجزء معلوم مشاعٍ من الثمرة، والمساقاة: دفع شجرٍ مغروس معلوم، له ثمر مأكول لمن يعمل عليه بجزء مشاع معلوم من الثمرة.
  • الوديعة (عين يضعها مالكها عند من يحفظها بلا عوض)
  • الإعارة: إباحة الانتفاع بالشيء مع بقاء عينه
  • اللقطة (الشيء الضائع تجده)
  • الهبة والوصية (والرق بينهما أن الهبة تكون في حال حياة الواهب ولا تثبت إلا بالقبض، أما الوصية فتكون بعد موت رب المال ولا يجوز أن تكون في أكثر من الثلث)
  • المواريث
  • النكاح
  • الطلاق
  • الظهار
  • اللعان (شهادات مؤكدات بالأيمان، مقرونة باللعن من جهة الزوج وبالغضب من جهة الزوجة، قائمة مقام حد القذف في حق الزوج، ومقام حد الزنى في حق الزوجة)
  • الرضاع (كم رضعة تثبت المحرمية بها؟ هل تجب صلة المحرمات بالرضاع كما تجب صلة الأرحام؟ مدة الرضاع؟ إذا امتنعت الأم عن إرضاع طفلها؟ توجد أم من الرضاع هل يوجد أب من الرضاع؟ رضعت مع زيد فهل يحق لأخيه أن يتزوج أختها…)
  • العدة (مدة معينة تتربصها المرأة بعد الطلاق أو بعد الوفاة)
  • القصاص.
  • الديات (هي المال المؤدَّى للمجني عليه أو لوليه بسبب الجناية)
  • القسامة (أن يجهل القاتل فيقسم بالله من تنحصر الشبهة فيهم أنهم لم يقتلوه)
  • الحدود
  • التعزير (التأديب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة.
  • الأطعمة
  • الأيمان والنذور
  • القضاء (شروط القاضي، أخلاق القضاء،
  • الشهادات. (الإخبار بما علمه الشاهد بلفظ خاص

فما من شأن من شؤون الحياة إلا ولله تعالى فيه حكم، ونحن مأمورون بالصدور عنه، والاستجابة له.

رب صل وسلم على نبينا محمد.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

أربعة + 4 =

شاهد أيضاً

إغلاق