مقالات

مسابقة بينات وشبهات الحلقة7

بسم الله الرحمن الرحيم

#مسابقة_بينات_وشبهات  الحلقة (7)

شبهات وردود

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلّم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فقد سبق في الحلقة الخامسة الإجابة عن شبهاتٍ ست، وهذه مجموعة أخرى من شبهات العلمانيين، أسردها مسلطاً عليها نور البينات؛ فلا يبقى لها أثرٌ بعده، فلقد قال ربنا: {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} [الإسراء: 81].

فأقول مستعيناً بالله:

== ===

الشبهة (7)

تعطيل الفاروق رضي الله عنه لحد السرقة في عام الرمادة.

فيقولون: لو كان العمل بالشرع في جميع الأزمنة لازماً فلماذا عطل الفاروق رضي الله عنه هذا الحد؟ ألا يدل هذا الصنيع منه على أنه يسوغ ذلك للمصلحة؟

لقد أدرك الحداثيون والعلمانيون أنه لا قبول أبداً لطرحهم المناوئ لدين الله، فلجأوا إلى الاستناد إلى أفكار ذات بعدٍ دينيٍّ ليُقبل قولُهم! وهذه منها!!

والجواب عن شبهتهم من وجوه:

أولاً: كثير من العلماء ضعف هذه القضية، كالألباني رحمه الله في إرواء الغليل (8/ 80).

ثانياً: لو ثبت أن الفاروق رضي الله عنه فعل ذلك فهذا ما دلت السنة عليه، فقد قال نبينا صلوات الله وسلامه عليه: «ادرؤوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم؛ فإن وجدتم لمسلم مخرجاً فخلوا سبيله» رواه الحاكم. والمجاعة شبهة يُدرأ بها الحد.

والفاروق كان معروفاً عنه ذلك -أنه يدرأ الحدود بالشبهة- فهو الذي قال: “لأن أُعطِّل الحدود بالشبهات أحب إليَّ من أن أقيمها في الشبهات” رواه ابن أبي شيبة. وفي سنن البيهقي (17064) عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَاطِبٍ، قَالَ: أَصَابَ غِلْمَانٌ لِحَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ بِالْعَالِيَةِ نَاقَةً لِرَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَانْتَحَرُوهَا وَاعْتَرَفُوا بِهَا، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَرُ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَقَالَ: هَؤُلَاءِ أَعْبُدُكَ قَدْ سَرَقُوا وَانْتَحَرُوا نَاقَةَ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ وَاعْتَرَفُوا بِهَا، فَأَمَرَ كَثِيرَ بْنَ الصَّلْتِ أَنْ يَقْطَعَ أَيْدِيَهُمْ، ثُمَّ أَرْسَلَ بَعْدَمَا ذَهَبَ فَدَعَاهُ وَقَالَ: “لَوْلَا أَنِّي أَظُنُّ أَنَّكُمْ تُجِيعُونَهُمْ حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ أَتَى مَا حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لَقَطَعْتُ أَيْدِيَهُمْ، وَلَكِنْ وَاللهِ لَئِنْ تَرَكْتُهُمْ لَأُغَرِّمَنَّكَ فِيهِمْ غَرَامَةً تُوجِعُكَ”. فَقَالَ للمزني: كَمْ ثَمَنُهَا؟ قَالَ: كُنْتُ أَمْنَعُهَا مِنْ أَرْبَعِمِائَةٍ. قَالَ: “فَأَعْطِهْ ثَمَانَمِائَةٍ”.

فعدم إقامة الحد ناشئ عن عدم استكمال شروطه، لا أنه أُلغي لاعتبارات المصلحة!! وهل المصلحة إلا في القيام بما أمر الله تعالى؟!

ثالثاً: ما فعله عمر رضي الله عنه فمن السنة أن نفعله ونقتدي به فيه، ففي سنن الترمذي، عَنْ حُذَيْفَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ”. وقال: “فَعَلَيْكم بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، عَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ”.

رابعاً: عطَّل الفاروق رضي الله عنه الحد في عام الرماة –لو سلَّمنا بصحة الأثر- وقام به في غيره من الأعوام، فلم الاستدلال بما فعله في عام واحد والإعراض عما فعله في جميع الأعوام!؟

خامساً: لماذا الانتقائية في اختيار ما قام به عمر رضي الله عنه؟! هل تقتدون به في كل ما فعله؟! أم أنها الانتقائية الشوهاء! فعلى سبيل المثال:

ثبت في الصحيحين، قول عمر رضي الله عنه: “لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ يَطُولَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ، حَتَّى يَقُولَ قَائِلٌ: لاَ نَجِدُ الرَّجْمَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، أَلاَ وَإِنَّ الرَّجْمَ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى وَقَدْ أَحْصَنَ، إِذَا قَامَتِ البَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الحَبَلُ أَوِ الِاعْتِرَافُ، رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ”.

فلم لا تأخذون بهذا وتقولون بالرجم الذي قال به عمر رضي الله عنه!!؟

== ===

الشبهة (8)

أن الفاروق رضي الله عنه لم يعط المؤلفة قلوبهم من الزكاة، وهذا يدل على جواز ترك العمل بما أنزل الله وشرع للمصلحة!!

والجواب:

قال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة: 60].

والمؤلفة قلوبهم: الكفار، يعطون منها؛ ترغيباً لهم في الإسلام.

وما فعله عمر رضي الله عنه ثبت عند البيهقي في السنن الكبرى (7/ 32) “فقد جاء اثنان إليه ممن كان يتألفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهما: “إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَأَلَّفُكُمَا وَالْإِسْلَامُ يَوْمَئِذٍ ذَلِيلٌ، وَإِنَّ اللهَ قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَامَ فَاذْهَبَا”.

وهذا بيان لمسألة مهمة، وهي أن ما كان نبينا صلى الله عليه وسلم يفعله لسبب فلا يفعل إذا انتفى السبب، فليس في هذا الأثر أن الفاروق رضي الله عنه عطل شيئا من شرع الله! وإنما بين لنا أنه مشروع بسبب، فإذا زال السبب زال الحكم. قال ابن تيمية رحمه الله: “وَمَا شَرَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرْعًا مُعَلَّقًا بِسَبَبِ إنَّمَا يَكُونُ مَشْرُوعًا عِنْدَ وُجُودِ السَّبَبِ؛ كَإِعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، فَإِنَّهُ ثَابِتٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ. وَبَعْضُ النَّاسِ ظَنَّ أَنَّ هَذَا نُسِخَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ أَغْنَى عَنْ التَّأَلُّفِ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ وَهَذَا الظَّنُّ غَلَطٌ؛ وَلَكِنْ عُمَرُ اسْتَغْنَى فِي زَمَنِهِ عَنْ إعْطَاءِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ فَتَرَكَ ذَلِكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ؛ لَا لِنَسْخِهِ كَمَا لَوْ فُرِضَ أَنَّهُ عُدِمَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ ابْنُ السَّبِيلِ وَالْغَارِمُ وَنَحْوُ ذَلِكَ” [مجموع الفتاوى 33/ 94].

ولهذا بوَّب البيهقي على هذا الأثر بقوله: “بَابُ سُقُوطِ سَهْمِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَتَرْكِ إِعْطَائِهِمْ عِنْدَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ، وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنِ التَّأَلُّفِ عَلَيْهِ”.

كما لو أن جهة علمية نظمت مسابقة شعرية، فلم يستوف أحد من المشاركين الشروط، ولم يأخذ أحد الجائزة، فهذا لا يعني أن الجائزة أُلغيت، وإنما لم يوجد من يستحقها.

فهذا المصرف باقٍ في حال ضعف المسلمين وظهور الأعداء عليهم، فالفاروق رضي الله عنه لم يعطهم الزكاة لأنه لا حق لهم فيها، فلا يستحقها كافر في حال عز الإسلام بدعوى أنه من المؤلفة قلوبهم، فضعف المسلمين شرط في وجود هذا المصرف من مصارف الزكاة.

وليس يخفى عن الفاروق رضي الله عنه ما أراد الله له أن يكون شرعاً باقياً، وما شرع لسبب معين يزول بزواله، ومما يوضح هذا أثرٌ في صحيح البخاري: قال رضي الله عنه: “فَمَا لَنَا وَلِلرَّمَلِ، إِنَّمَا كُنَّا رَاءَيْنَا بِهِ المُشْرِكِينَ وَقَدْ أَهْلَكَهُمُ اللَّهُ”؟، ثُمَّ قَالَ: “شَيْءٌ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلاَ نُحِبُّ أَنْ نَتْرُكَهُ”.

فهذا يدل على تمييزه رضي الله عنه بين ما شرع الله ليبقى، وبين ما شرعه معلقاً بسبب، فإذا زال السبب زال الحكم بزواله. ولعلمه هذا ومكانته أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس بالاقتداء به رضي الله عنه.

وإن مما يؤسف عليه: أن بني علمان لا يعرفون الفاروق رضي الله عنه إلا في هذين الموضعين، ألم يعلموا أن الفاروق من أشد الناس اتباعاً لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومما يبين ذلك:

قال عمر رضي الله عنه لما قبل الحجر الأسود: “أَمَا وَاللهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ” رواه البخاري ومسلم.

وفي صحيح مسلم، قال سيدنا عمر رضي الله عنه: “وَإِنِّي لَئِنْ لَا أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ اسْتَخْلَفَ. فقال عبد الله ابنه: فوالله مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْدِلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ.

وقد كان رضي الله عنه يهُمّ بالأمر ويعزم عليه فإذا قيل له: لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم، انتهى.

فأين هؤلاء من تمسكه العظيم بدين الله تعالى!؟

 

== ===

الشبهة (9)

كيف نحكم بشرع الله في بلد فيه من لا يدين كلُّ من فيه بدين الإسلام؟

والجواب:

أولاً:

لا يوجد في الدنيا كلها بلدٌ يدين أهله كلهم بدين واحد! كل البلاد فيها أديانٌ شتى، ومدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسها لم تكن خالصة للمسلمين دون غيرهم، فقد كان فيها المسلم والمشرك والمنافق وأهل الكتاب.

ثانياً:

هل الإسلام ظلم أهل الكتاب؟ الجواب: لا.

وتأمل في هذين الحديثين:

الأول: في سنن أبي داود، قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوِ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».

والثاني: في صحيح البخاري، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحَهَا تُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».

فمن هو المعاهد هنا؟ قال ابن حجر رحمه الله: “وَالْمُرَاد بِهِ مَنْ لَهُ عَهْد مَعَ الْمُسْلِمِينَ، سَوَاء كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَة، أَوْ هُدْنَة مِنْ سُلْطَان، أَوْ أَمَان مِنْ مُسْلِم” [فتح الباري  12/259].

فإذا تقرر أن الله لا يظلم أحداً فلم التخوف من أن يُحكم فيهم بحكم الله؟

ثالثاً:

اجتمع في المدينة النبوية أهل الكتاب مع المسلمين وكان نبينا صلى الله عليه وسلم يحكم بحكم الله عليهم جميعاً.

رابعاً:

الأقلية المسلمة في جميع دول الغرب تخضع لقوانين الأكثرية، وكثير من نصوص قوانينهم تتعارض مع تعاليم دينهم، فمن باب أولى أن تخضع الأقليات في بلاد المسلمين إلى قانون الله تعالى.

خامساً:

أليس الخضوع لقانون الأغلبية هو من مقتضيات الديمقراطية التي يزعمون أنهم من دعاتها؟!!

فإن قيل: ماذا يعني قول ربنا: {سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [المائدة: 42]؟

فالجواب:

لأهل التفسير اتجاهان في تفسير هذه الآية:

الاتجاه الأول: يرى أنها منسوخة بقول الله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة: ٩٤]. والاتجاه الآخر: يرون أنها غير منسوخة وأنه لا تعارض بينها وبين قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ} [المائدة: ٩٤]؛ لأن المقصود أنه مخيَّر، فإذا حكم وجب الحكم بما أنزل الله [انظر: تفسير الطبري:10/ 325 – 330].

أما إذا كان القضية بين مسلمين أو بين مسلمٍ وكتابي فلا خلاف في وجوب أن يحكم القاضي بينهما بحكم الله، وهذه بعض نقول أهل العلم التي يَبِين بها ذلك:

قال القرافي رحمه الله: “واتفقوا -في ما أعلم- على أنه إذا ترافع مسلم وكافر أن على القاضي الحكم بينهم” [الذخيرة: 10/112].

وقال ابن قدامة رحمه الله: “إن تحاكم مسلم وذمي وجب الحكم بينهما بغير خلاف؛ لأنه يجب دفع ظلم كلِّ واحد منهما عن صاحبه” [المغني: 10/191].

وقال البغوي رحمه الله: “وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ}، نَسَخَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ}، فَأَمَّا إِذَا تَحَاكَمَ إِلَيْنَا مُسْلِمٌ وَذِمِّيٌّ فَيَجِبُ عَلَيْنَا الْحُكْمُ بَيْنَهُمَا لَا يَخْتَلِفُ الْقَوْلُ فِيهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ الِانْقِيَادُ لِحُكْمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ” [معالم التنزيل 3/59].

ونقل كثيرون الإجماع على هذا [تفسير الخازن: 2/55، واللباب في علوم الكتاب لابن عادل الدمشقي: 7/343، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي: 6/148، وتفسير الجلالين ص144، وفتح القدير: 2/61].

وإذا كان هذا في مسلم مع كتابي؛ فكيف إذن إن كان بين مسلمَين؟

== ===

الشبهة (10)

إذا حكمني كافر فلن يدخلني النار، وإذا حكمني مسلم فلن يدخلني الجنة!

                أولاً:

هذا صحيح، لكن هذه العبارة لا تصلح أن تقال لمن ينادي بتحكيم الشريعة! تصلح جواباً لمن يقول للناس: إذا حُكِّم فيكم غير شرع الله فأنتم في النار!! لكن لا يقول بذلك أحد، لأن الغلبة والظهور قد يكون لأعداء الدين، فهل يكون مآل رعيتهم إلى النار؟ الجواب: لم يقل أحد ذلك، فهذه العبارة لا معنى لها هنا.

ثانياً:

إذا أريد بهذه العبارة إقعاد الدعاة عن الدعوة إلى تحكيم شرع الله فهي كلمة حق أريد بها باطل، لأن الله ملأ كتابه بالأمر بتحكيم شرعه، فيجب عليهم أن ينادوا إلى ذلك، ويسعوا إليه، وإذا كانوا مستضعفين يُحكم فيهم غير شرع الله فليسوا بمؤاخذين. فهاهنا مسألتان:

  • إذا حكم الحاكم بغير شرع الله فلن يكون سبباً في دخولك إلى النار لأن الله قال: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164].
  • لكن هذا لا يعني أننا لا ننادي إلى تحكيم شرع الله ونسعى إليه! بل يجب ذلك لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فراض الدين، فهاتان مسألتان منفكتان لا علاقة لإحداهما بالأخرى.

               

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة عشر − 3 =

شاهد أيضاً

إغلاق