مسابقة بينات وشبهات

مسابقة بينات وشبهات4

بسم الله الرحمن الرحيم

#مسابقة_بينات_وشبهات  الحلقة (4)

شبهات حول السنة النبوية

الحمد لله، وأصلي وأسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فهذه شبهات يرددها كثير من الطاعنين في السنة النبوية، نتعرف عليها وعلى ما يُجاب به عنها بحول ربنا:

الشبهة (1)

حديث الآحاد ليس حجة.

الرد:

قوله تعالى:{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة/122].

والمعنى: وما كان ينبغي للمؤمنين أن يخرجوا جميعا لقتال عدوهم، كما لا يستقيم لهم أن يقعدوا جميعا، فهلا خرج من كل فرقة جماعة تحصل بهم الكفاية والمقصود; وذلك ليتفقه النافرون في دين الله وما أنزل على رسوله، وينذروا قومهم بما تعلموه عند رجوعهم إليهم، لعلهم يحذرون عذاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه. والطائفة اسم يصدق على الواحد.

ومن الأدلة على حجية خبر الواحد حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أَنَّ مُعَاذًا رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فقَالَ: «إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ فِي فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» متفق عليه.

فبَعْثُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم للواحد دليل على وجوب قبول خبره، وإلا لكان بعثه عبثاً! وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم منزه عن مثل ذلك.

قال النووي رحمه الله: “وقد أجمع مَن يُعتدُّ به على الاحتجاج بخبر الواحد ووجوب العمل به ودلائله من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم أكثر من أن تحصر” [شرح مسلم (14/131)].

فإن قيل: أليس قد طلب عمر بن الخطاب من أبي موسى رضي الله عنهما أن يقيم بيِّنة على ما حَدَّث به في حديث الاستئذان؟ فالجواب من وجهين:

الأول: هل خرج الحديث بخبر أبي موسى وأبي بن كعب عن كونه آحاداً؟ الجواب: لا.

الثاني: قال النووي رحمه الله: “وأما قول عمر لأبى موسى: أقم عليه البينة، فليس معناه رد خبر الواحد من حيث هو خبر واحد، ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقول عليه بعض المبتدعين أو الكاذبين أو المنافقين ونحوهم ما لم يقل، وأنَّ كل من وقعت له قضيةٌ وضع فيها حديثاً على النبي صلى الله عليه وسلم فأراد سدَّ الباب خوفاً من غير أبى موسى، لا شكاً في رواية أبي موسى” [شرح مسلم (14/131)].

=====

الشبهة (2)

نقبل بحديث الآحاد في الفقه دون العقيدة

الرد:

هذه خمس وقفات أقفها مع الذين يقبلون الأحكام بحديث الآحاد، ولا يجعلونه حجة في أمور الاعتقاد!

الوقفة الأولى: هذه التفرقة ما دليلكم عليها، يقول تعالى: {قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} [البقرة/111].

الوقفة الثانية: أنتم تقولون: العقائد لا تثبت إلا بالمتواتر من الحديث، وهذه في حدِّ ذاتها عقيدة تحتاج إلى دليل متواتر، فأين هو؟

الثالثة: يلزم من هذا القول أنَّ الصحابي الذي يخبره النبي صلى الله عليه وسلم مباشرةً بأمر من أمور العقيدة يجب عليه أن يؤمن ويصدق، وأما إذا أخبر الصحابيُّ صحابياً غيره، أو تابعياً فلا يجب أن يؤمن الثاني بهذه العقيدة؛ لأنها عقيدة لا تثبت بخبر الواحد، وهذا تناقض لا إخال عاقلاً يقول به.

الرابعة: هناك بعض أحاديث الأحكام تشتمل على بعض العقائد، فما موقفنا منها؟ هل نعمل بما فيها من أحكام من غير أن نعتقد ما فيها من أمور الاعتقاد؟!!

مثال ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» رواه مسلم. فهل نقول هذا الذكر من غير أن نعتقد ما فيه من مسائل العقائد!!

الوقفة الخامسة: من ثمارهم تعرفونهم، فهؤلاء أنكروا ما يلي:

أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أفضل البشر وسيد الناس؛ لأنها ثبتت بحديث الآحاد، وأنكروا الشفاعة العظمى لنبينا صلى الله عليه وسلم،  وأنكروا جميع آيات ومعجزات النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن؛ لأنها ثبتت بحديث آحاد، وأنكروا المعراج، وأنكروا أنَّ لله ملائكة سياحين يبلغون النبي صلى الله عليه وسلم السلام عن أمته.

ويراجع: “عشرون وقفة مع هؤلاء للشيخ الألباني رحمه الله في رسالته القيمة: حديث الآحاد حجة في العقائد والأحكام”.

=====

الشبهة (3)

تأخر تدوين السنة وفي المدينة منافقون لا يعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الجواب:

أولاً:

كان التدوين موجوداً في زمن الصحابة، روى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: “ما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أحد أكثر حديثاً مني، إلا ما كان من حديث عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب ولا أكتب”.

وروى البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما فتح الله على رسوله صلى الله عليه وسلم مكة … فقام أبو شاه – رجل من أهل اليمن – فقال: اكتبوا لي يا رسول الله. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لأبي شاه».

وفيه، عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ، قَالَ: قُلْتُ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: هَلْ عِنْدَكُمْ كِتَابٌ؟ قَالَ: ” لاَ، إِلَّا كِتَابُ اللَّهِ، أَوْ فَهْمٌ أُعْطِيَهُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ. قَالَ: قُلْتُ: فَمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟ قَالَ: «العَقْلُ، وَفَكَاكُ الأَسِيرِ، وَلاَ يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ».

في مسند أحمد، حَدَّثَنِي أَبُو قَبِيلٍ، قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي، وَسُئِلَ: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بِصُنْدُوقٍ لَهُ حَلَقٌ، قَالَ: فَأَخْرَجَ مِنْهُ كِتَابًا، قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: بَيْنَمَا نَحْنُ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَكْتُبُ، إِذْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْمَدِينَتَيْنِ تُفْتَحُ أَوَّلًا: قُسْطَنْطِينِيَّةُ أَوْ رُومِيَّةُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَدِينَةُ هِرَقْلَ تُفْتَحُ أَوَّلًا» يَعْنِي قُسْطَنْطِينِيَّةَ.

وقد أحصى الدكتور محمد مصطفى الأعظمي الصحابة الذين كانوا يكتبون أو كانت لهم صحف فبلغ عددهم اثنين وخمسين صحابياً [دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه 92 – 142].

وأوصل الدكتور التابعين الذين كانت لهم صحائف ورسائل إلى أكثر من اثنين وخمسين ومائة تابعي [دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه 143- 220].

روى أبو نعيم أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الآفاق: “انظروا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجمعوه”  [ذكر أخبار أصبهان 1/ 312]. وأصدر أمره إلى أبي بكر بن حزم أن “انظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء” أخرجه البخاري في صحيحه كتاب العلم – باب كيف يقبض العلم.

ثانياً:

الحفظ حفظان: حفظ السطور، وحفظ الصدور. ومما أسهم في تحقيق حفظ السنة عن ظهر قلب:

  1. قلة ووضوح كلام نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي سنن الترمذي، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: “مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامٍ يُبَيِّنُهُ، فَصْلٌ، يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إِلَيْهِ”.
  2. إعادته لكلامه، ففي صحيح البخاري، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا حتى تفهم عنه”.
  3. دعاؤه لحفظة سنته الذين يؤدون الحديث كما سمعوه، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ غَيْرَهُ» رواه الترمذي.
  4. إظهار الحفاوة بمن كان معتنياً بالحديث من أصحابه، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لاَ يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ: مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» رواه البخاري.
  5. اعتناؤه بأمر أبي هريرة لما شكا له أنه ينسى، فقد ثبت أن أبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَسْمَعُ مِنْكَ حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ؟ قَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ» فَبَسَطْتُهُ، قَالَ: فَغَرَفَ بِيَدَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ.
  6. تعدد زوجاته وكثرة أصحابه، قال الله لزوجاته: {وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ} [الأحزاب: 34]، والمراد بآيات الله، القرآن، والحكمة، أسراره، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمرهن بذكره، يشمل ذكر لفظه، بتلاوته، وذكر معناه، بتدبره والتفكر فيه، واستخراج أحكامه وحكمه.

 

من مظاهر عناية الصحابة بالسنة النبوية

  • إحصاؤهم لدقائق أحوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك: عدهم لما في لحيته من شيب، وتعرفهم على قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة بحركة لحيته.
  • تناوب عمر وجاره رضي الله عنهما في الجلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يفوتهم حديثه.
  • دقتهم في أداء الحديث، في سنن الدارمي، حَدَّثَ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «مَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الشَّاةِ بَيْنَ الرَّبْضَيْنِ أَوْ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ»، فَقَالَ: ابْنُ عُمَرَ لَا، إِنَّمَا قَالَ: كَذَا وَكَذَا، قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَزِدْ فِيهِ، وَلَمْ يُنْقِصْ مِنْهُ، وَلَمْ يُجَاوِزْهُ، وَلَمْ يُقَصِّرْ عَنْهُ.

 

الشبهة (4)

نهينا عن كتابة السنة ولو كانت مصدرا تشريع كالقرآن لاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم لها كتبة كما فعل مع ما ينزل عليه من القرآن.

الرد:

من أين علمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ كتبة للوحي وقد رفضتم السنة وجعلتموها مختلقة مفتراة؟! فكيف تستدلون بسنة مختلقة مفتراة بزعمكم على أهمّ المطالب عندكم وهي ادعاء أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع للقرآن منهجا في كتابته وحفظه ومذاكرته، ولم يعمل للسنة مثله!!

هذا تناقض أصلع وتضارب أعمى.

ونحن نقول:

رغب الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة في حفظ السنة فقال: «نضر الله امرأ سمع منّا شيئاً فبلّغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع» رواه الترمذي.

وفي الصحيحين، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ليبلغ الشاهد الغائب»، ففيه حض على الحفظ أيضا إذ لا يمكن تبليغ ما لم يحفظ، إما اللفظ وإما المعنى.

والحديث الذي استدلوا به رواه مسلم: «لا تكتبوا عني ومن كتب عني غير القرآن فليمحه».

وهو الحديث الوحيد الصحيح فيما أعلم الناهي عن كتابة الأحاديث النبوية، ووردت أحاديث عديدة صحيحة في الأمر بكتابة الأحاديث النبوية والرخصة فيها.

وقد سلك أهل العلم في دفع ظاهر التعارض بين هذا الحديث والأحاديث الأخرى مسالك متعددة:

المسلك الأول: مسلك الترجيح لأحاديث الإذن على حديث النهي.

وقد وهَّم الإمام البخاري([1])، والإمام أبو داود([2]) همَّاماً في رفع هذا الحديث وصوَّبا وقفه على أبي سعيد الخدري، ولا تعارض بين حديث موقوف وأحاديث مرفوعة.

المسلك الثاني: مسلك النسخ، وهو القول بأن أحاديث الإذن متأخرة عن حديث النهي ناسخة له، وقد ذهب إلى ذلك ابن شاهين([3]).

المسلك الثالث: مسلك الجمع بينهما وفيه طرائق:

قال البيهقي: “لعله إن شاء الله أذن في الكتابة عنه لمن خشي عليه النسيان، ونهى عن الكتابة عنه لمن وثق بحفظه، أو نهى عن الكتابة عنه من خاف عليهم الاختلاط وأذن في الكتابة عنه حين أمن منه”([4]).

هذا الخلاف كان في العصر الأول، ثم أجمعت الأمة على تسويغ كتابة الحديث والعلم، واستقر الأمر على ذلك([5]).

الشبهة (5)

القرآن يكفينا، فما الحاجة إلى السنة؟

الرد:

بالآيات المبينة لحجية السنة، وببيان أنهم إذا قاموا بعبادة لم يأت بيانها في القرآن تناقضوا! كالصلاة، فإما أن يأتوا بها على وجهها فيقال لهم: هذا اعتراف عملي بأنه لا يمكن الاستغناء عن السنة، وإما أن يأتوا بها على غير وجهها، فيقال لهم: أين الدليل على ذلك؟

وحلقة (مكانة السنة في التشريع) في هذه المسابقة كلها قامت على بيان هذا المعنى.

وسأذكر بحديثين يدلان على هذا المعنى:

الأول:

في الصحيحين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قال: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَعْرَابِ أَتَى رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَنْشُدُكَ اللهَ إِلَّا قَضَيْتَ لِي بِكِتَابِ اللهِ، فَقَالَ الْخَصْمُ الْآخَرُ: وَهُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ نَعَمْ، فَاقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللهِ وَأْذَنْ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قُلْ»، قَالَ: إِنَّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، وَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ عَلَى ابْنِي الرَّجْمَ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَوَلِيدَةٍ، فَسَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ، فَأَخْبَرُونِي أَنَّمَا عَلَى ابْنِي جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَأَنَّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرَّجْمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللهِ، الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ، وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا»، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهَا، فَاعْتَرَفَتْ، فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَتْ.

والوليد الجارية المملوكة.

ففي هذا الحديث طلب الخصمان من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحكم بينهما بكتاب الله وأجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك وحلف أن يفعل، والحكم الذي حكم به بينهما هو رد مائة الشاة والجارية  وجلد مائة وتغريب عام على الزاني ورجم الزانية، وليس التغريب ولا ردّ مائة الشاة والجارية منصوصاً عليها في القرآن المنزل، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أطلق على هذا الحكم أنه كتاب الله أي حكم كتاب الله.

قال الواحدي رحمه الله: “وليس للرجم والتغريب ذكر في نص الكتاب، فجعلهما النبي صلى الله عليه وسلم من الكتاب لما حكم هو بهما، وهذا يبين لك أن كل ما يحكم به النبي صلى الله عليه وسلم كان ذلك كما لو حكم به الكتاب نصًّا” [التفسير البسيط 8/ 121].

وفي الصحيحين، عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود رضي الله عنه، قَالَ: “لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالنَّامِصَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ”. فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ يَعْقُوبَ، وَكَانَتْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَأَتَتْهُ فَقَالَتْ: مَا حَدِيثٌ بَلَغَنِي عَنْكَ أَنَّكَ لَعَنْتَ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ، لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللهِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: “وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ وَهُوَ فِي كِتَابِ اللهِ”. فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ لَوْحَيِ الْمُصْحَفِ فَمَا وَجَدْتُهُ فَقَالَ: “لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7].

الواشمة: من تفعل الوشم المعروف.

والمستوشمة: من يُفعل الوشم بها.

والمتنمصة التي تطلب إزالة شعر حاجبها.

والمتفلجات: جمع متفلجة وهي التي تبرد أسنانها لتفترق عن بعضها.

بل ذهب الإمام الشافعي رحمه الله إلى أبعد من ذلك إذ جعل ما ثبت عن عمر رضي الله عنه ثابتا في كتاب الله بنوع استنباط. روى البيهقي بسنده عن عبد الله بن محمد بن هارون قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول بمكة: سلوني عما شئتم أخبركم من كتاب الله فقال له رجل: أصلحك الله ما تقول في المحرم قتل زنبوراً؟ قال: قال الله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}، حدثنا سفيان بن عيينة عن عبد الملك بن عمير عن ربعي بن حراش عن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اقتدوا بالذين من بعدي أبو بكر وعمر»، وحدثنا سفيان عن مسعر عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب عن عمر أنه أمر بقتل زنبور.

إذا لابد لإقامة الدين من الكتاب والسنة، وقد روى الآجري في الشريعة (1/ 417) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ: “إِنَّكَ امْرُؤٌ أَحْمَقُ، أَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى الظُّهْرَ أَرْبَعًا لَا تَجْهَرُ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ”؟ ثُمَّ عَدَّدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَنَحْوَهُمَا، ثُمَّ قَالَ: أَتَجِدُ هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مُفَسَّرًا؟ إِنَّ كِتَابَ اللَّهِ أَحْكَمَ ذَلِكَ، وَإِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ ذَلِكَ”.

فإن قيل:

هذه من المتواتر العملي يجب الأخذ بها!

هذا نقض لكلام مدعيه، لأن كلامهم قاض بأنه لا حجة إلا في القرآن، فإذا توسعوا وأدخلوا المتواتر العملي في دائرة ما يصلح للاحتجاج فقد نقضوا كلامهم!!

 

 

 

 

[1] / فتح الباري 1 / 208.

[2] / تحفة الأشراف 3 / 408.

[3] / ناسخ الحديث ومنسوخه 472.

[4] /  المدخل إلى السنن الكبرى 2 / 223.

[5] /  شرح النووي على صحيح مسلم 18 / 130.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

14 − أربعة =

شاهد أيضاً

إغلاق