مقالات

كورونا .. وقفات شرعية2

بسم الله الرحمن الرحيم

كورونا .. وقفات شرعية (2)

13 مارس 2020م، 18  رجب 1441هـ

مسجد السلام بالطائف (22)

مهران ماهر عثمان

الحمدُ لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فهذه خطبتي الثانية في موضوع الوقفات الشرعية مع الأوبئة وانتشار كورونا، فأقول وبالله التوفيق:

الوقفة الثامنة

تعلمنا هذه الأحداث أنه لا ينفع ولا يضر إلا الله، فقد رأيتُ أضرحة تُرش؛ لئلا يكون بها هذا الفايرس فتنتقل العدوى إلى زُوَّارها، ولو كان المقبورون يملكون من الأمر شيئاً لحمَوا أضرحتهم هذه! قال ربنا: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107].

الوقفة التاسعة

وهي لا تتعلق بكورونا بوجه خاص، وإنما بالأمراض المستعصية عموماً التي لم تكن معروفة في السابقين.

إن من الأسباب الشرعية لظهور كثير من الأمراض التي لم يعرفها من قبلنا كالإيدز والزهري والسيلان وغير ذلك من الأمراض: ظهورَ الفواحش.

قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا» رواه ابن ماجة.

فمرض الإيدز –على سبيل المثال- لا زال يفتك بالكثيرين وهو من الأمراض المنقولة جنسياً.

الوقفة العاشرة

مما يبين عناية ديننا بالصحة العامة: أنه أرشد إلى اتخاذ التدابير التي تضمن السلامة من الأمراض والوقاية منها.

فحديث الطاعون، وحديث الفرار من المجذوم دليل على عناية ديننا بما يقي من الأمراض قبل وقوعها.

فما يشير به الأطباء من أمور الوقاية من الأمراض مما ينبغي لنا أن نُعنى به؛ لأنهم أعرف بما يحول بيننا وبينها، وهذا مما جاء الإسلام به.

ومما يبين عنايته بالصحة العامة:

أنه حرم علينا أن يضر أحدنا نفسه، قال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر، ولا ضرار» رواه ابن ماجة. وقال تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: 195]. وهذا مراد به ترك النفقة على الجهاد، ويشمل: التسبب في المرض بترك سبل الوقاية منه، فهي عامة كما قال ابن جرير رحمه الله.

ومن ذلك أن ديننا رخص للمريض في الفطر في نهار رمضان؛ لئلا يستمر المرض معه، قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]، وقال: ﴿مَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 185].

ومن ذلك: حثه على عدم الشبع دائماً، قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «ما ملأ ابن آدمَ وعاءً شرًّا من بطنه، بحسب ابن آدمَ لُقَيْمات يُقِمْنَ صُلبه، فإن كان لا بد فاعلاً، فثُلُث لطعامه، وثُلُث لشرابه، وثُلُث لنَفَسِه» رواه الترمذي. ومعلوم عند الأطباء أن امتلاء المعدة بالطعام والشراب من العادات الغذائية السالبة.

ومن ذلك: أنه أمر بالتداوي من الأمراض.

فعن أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، قَالَ: قَالَتِ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلاَ نَتَدَاوَى؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلاَّ وَضَعَ لَهُ شِفَاءً إِلاَّ دَاءً وَاحِدًا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: «الهَرَمُ».

وأمر بالسواك للمحافظة على صحة الفم والأسنان واللثة، فعن عائشة رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» رواه النسائي.

ومما ورد في شأن الصحة النفسية:

حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِي أَحَدَكُمْ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ فَيَقُولُ: اللَّهُ، فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ اللَّهَ؟ فَإِذَا أَحَسَّ أَحَدُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، فَلْيَقُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ وَبِرُسُلِهِ » رواه أحمد.

فهذا أنجع علاج للوسوسة؛ الانتهاء وعدم الاسترسال في التفكير.

الوقفة الحادية عشر

من أسباب دفع ورفع البلاء:

1/ التوكل على الله وتفويض الأمر إليه.

قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]. والمعنى: ومن يعتمد على الله في أموره فهو كافيه.

2/ الدعاء.

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنعام: 42، 43].

أي: ولو أنهم حين جاءهم بلاؤنا تذللوا لله، وخضعوا له ليكشف عنهم البلاء، لرحمناهم لكنهم لم يفعلوا ذلك.

3/ الاستغفار.

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: 33].

وليس المقصود أن المؤمن المستغفر لا يمرض، ولكن المقصود أن البلاء عموماً يدفع ويرفع بالاستغفار.

4/ الصلاة.

لحديث جريج في صحيح مسلم؛ فإنه ابتلي بالتهم الباطلة ففزع إلى الصلاة. قال ابن حجر رحمه الله في ذلك عند شرح هذا الحديث: “وفيه… وَأَنَّ الْمَفْزَعَ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ إِلَى اللَّهِ يَكُونُ بِالتَّوَجُّهِ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ” [فتح الباري 6/ 483].

ولما أُخذت سارة من الخليل عليهما السلام فزع إلى الصلاة.

وفي سنن أبي داود، عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه، قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ، صَلَّى”. أي: ألمَّ به أمر شديد.

5/ الإحسان إلى الضعفاء.

قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم» رواه البخاري.

6/ الصدقة.

وفي الحديث: «تصدَّقن؛ فإني أُرِيتُكنَّ أكثرَ أهل النار» متفق عليه، وهذا يدل على أثرها في النجاة من العذاب بوجه عام. قال ابن حجر رحمه الله في شرحه: “وفيهِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَدْفَعُ الْعَذَابَ” [فتح الباري لابن حجر 1/ 406].

7/ المحافظة على هذا الدعاء: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، يُقَالُ حِينَئِذٍ: هُدِيتَ، وَكُفِيتَ، وَوُقِيتَ، فَتَتَنَحَّى لَهُ الشَّيَاطِينُ، فَيَقُولُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ قَدْ هُدِيَ وَكُفِيَ وَوُقِيَ»؟ رواه أبو داود.

ومعنى كفيت، أي: “من الشرور” [بذل المجهود في حل سنن أبي داود 13/ 491].

رب صل وسلم على نبينا محمد.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

10 − 8 =

شاهد أيضاً

إغلاق