مقالات

شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر – نص

شبهات حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الشبهة الأولى:

يقول بعض الناس: إن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وما ينتج عن ذلك من ضلال الآخرين، لا يضرنا ما دمنا نؤدي شعائر ديننا ونقوم بما أوجبه الله علينا، ويستدلون على شبهتهم هذه بقوله سبحانه وتعالى: ﴿ يَأَيّهَا الّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرّكُمْ مّن ضَلّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [المائدة: 105].

 

الجواب:

وهذه شبهة قديمة أجاب عنها أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قال: “أيها الناس! إنكم تقرؤون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر ولا يغيروه، يوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه» رواه الإمام أحمد بسند صحيح.

وهذا من فقه صدِّيق الأمة رضي الله عنه؛ فإن الله تعالى قال: ﴿لاَ يَضُرّكُمْ مَنْ ضَلّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]، ولا يكون الإنسان مهتدياً إذا أمر بـالـمعروف ونهى عن الـمنكر، فإذا قام بذلك فلا يضرّه من ضلّ إذا اهتدى، لقول ربنا: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164]

الشبهة الثانية:

يقول بعض الناس: لا ينبغي لي أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأنا مقصر في فعل المأمور به، وترك المنهي عنه، ويستدل على قوله هذا بالكتاب والسنة. فمن الكتاب قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44].

ومن السنة: قوله صلى الله عليه وسلم: «يجاء بالرجل يوم القيامة، فيلقى في النار، فتندلق أقتابه في النار، فيدور كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع أهل النار عليه فيقولون: أي فلان، ما شأنك؟ أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» رواه البخاري.

الجواب:

أولاً:

إن الوعيد على ترك المعروف وليس على الأمر بالمعروف؛ فإن الذم في الآية: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾، إنما هو على ترك البر لا على الأمر بالبر، قال القرطبي رحمه الله في تفسيرها: “اعلم وفَّقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، ولهذا ذمّ الله تعالى في كتابه قوماً كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها وبخهم به توبيخاً يُتْلَى على طول الدهر إلى يوم القيامة” [تفسير القرطبي 1/  366].

ثانياً:

ترك أحد الواجبين ليس مسوغاً لترك الواجب الآخر، فهناك واجبان على المسلم هما:

1- فعل المعروف واجتناب المنكر.

2- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فإذا حصل أن الإنسان قصر في أحد الواجبين فليس ذلك مسوغاً له في أن يقصر في الواجب الثاني. فإذا كان على سبيل المثال مقصراً في الصلاة، فإنه يلزمه الأمر بها.

وكذلك في جانب المنكر، إذا كان يأكل الربا مثلاً، فإن يلزمه النهي عن أكل الربا؛ لأنهما واجبان، فكما أن التقصير في صلة الرحم (وهي واجبة) لا تسوغ التقصير في الصلاة؛ فكذلك لو قصر في فعل الواجب فإنه يأمر به.

ولا شك أن أنفع الناس في أمره ونهيه، وأحسنهم في دعوته من كان ممتثلاً ما يأمر به، مجتنباً ما ينهى عنه، كما هي حال المرسلين، كما قال شعيب عليه السلام: ﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىَ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِيَ إِلاّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ [هود: 88].

ثالثاً

الأخذ بهذه الشبهة تعطيل للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويلزم من ذلك أن يكون الآمر والناهي معصوماً، فاعلاً لكل ما يأمر به، منتهياً عن ما كل ما ينهى عنه، وهذه درجة صعبة لا يبلغها إلا المرسلون، وبالتالي لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى أحد عن منكر بعد المرسلين!!

الشبهة الثالثة:

يقول بعض الناس: إن الناس لا يستجيبون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا فائدة إذاً من القيام بهذه العمل!

والجواب:

لسنا مسؤولين عن نتيجة الأمر والنهي، بل نحن مسؤولون عن القيام بواجب البلاغ، قال تعالى لنبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿فَإِن تَولّيْتُمْ فَإِنّمَا عَلَىَ رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: 12].

وقال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 164].

ومعنى الآية: واذكر -أيها الرسول- إذ قالت جماعة منهم لجماعة أخرى كانت تعظ المعتدين في يوم السبت، وتنهاهم عن معصية الله فيه: لم تعظون قوما الله مهلكهم في الدنيا بمعصيتهم إياه، أو معذبهم عذابا شديدا في الآخرة؟ قال الذين كانوا ينهونهم عن معصية الله: نعظهم وننهاهم لنعذر فيهم، ونؤدي فرض الله علينا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورجاء أن يتقوا الله، فيخافوه، ويتوبوا من معصيتهم ربهم.

الشبهة الرابعة:

يقول بعض الناس: أنا لا ينبغي لي أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، لأنني لست من أهل العلم الذين يسوغ لهم ذلك!

والجواب:

صحيح أنه لابد للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العلم بالمأمور به والمنهي عنه، حتى يكون الأمر والنهي على بصيرة، ولكن أي درجة من العلم يحتاجها الآمر والناهي؟

إن العلم المطلوب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يتوقف على نوع المأمور به، والمنهي عنه، فهناك أمور من المعروف معلومة من الدين بالضرورة، لا تحتاج إلى مزيد من العلم. فعلى سبيل المثال إذا رأيت تارك الصلاة، هل يحتاج أمرك له، بأداء الصلاة إلى كثير علم؟ لا، بل يكفي للأمر في هذه الحال أن يعرف أن الصلاة من أركان الإسلام، ولا يقوم الإسلام إلا بها.

فكل مَن كان له علم بتحريم شيء إذا فُعل هذا الشيء وجب عليه أن ينكره، وليس شرطاً أن يكون عالماً.

والدليل على ذلك حديث جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلا أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا» رواه أبو داود.

الشبهة الخامسة:

فإذا قال أحدٌ: لا أريد تغيير المنكر وبذل النصيحة لئلا تقع فتنةٌ!!

فالجواب:

أولاً:

الفتنة في عدم إنكار المنكر وليس في إنكاره.

قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25].

فالفتنة هنا: العذاب، ومعنى الآية: واحذروا -أيها المؤمنون- عذاباً يعم المسيء وغيره، ولا يختص بأهل المعاصي ولا من باشر الذنب، بل يصيب الصالحين معهم إذا قدروا على إنكار الظلم ولم ينكروه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره ونهيه.

ثانياً:

من صفات المنافقين ترك الواجب الشرعي بحجة الخوف من الفتنة!

قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49]، فتركوا الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم –وهو واجبٌ عليهم-، خوفاً من الفتنة –زعموا!-، فمن ترك واجباً وادعر أنه تركه خوف الفتنة ففيه شبه منهم!

 

أي: ومن هؤلاء المنافقين من يطلب الإذن للقعود عن الجهاد ويقول: لا توقعني في الابتلاء بما يعرض لي في حالة الخروج من فتنة النساء، لقد سقط هؤلاء المنافقون في فتنة النفاق الكبرى؛ فإن جهنم لمحيطة بالكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يفلت منهم أحد.

ولذا حذَّر الله منهم نحذيراً شديداً فقال: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ ﴾ [المنافقون: 4].

الشبهة السادسة:

قولهم: لا إنكار في مسائل الخلاف!

وهذا خطأ والصحيح لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وليس في مسائل الخلاف.

فالمسائل الخلافية تنقسم قسمين:

1/ المسائل الخلافية التي ثبت فيها نص أو نصوص من الكتاب والسنة تدل على صحة أحد الأقوال، فالواجب حينئذٍ اتباع النص والإنكار على المخالف، مع عذر من أخطأ فيها من المجتهدين.

2/ المسائل الخلافية التي لم يثبت فيها نص، فهذه تسمى: (المسائل الاجتهادية)؛ لأن كل واحد من العلماء المختلفين قد عمل أو أفتى بما أداه إليه اجتهاده، وهذه المسائل لا إنكار فيها، ولا ينبغي لواحد من المختلفين أن يحمل الآخر على قوله؛ لأن كل واحد منهم لم يخالف نصًا، بل خالف اجتهاد مجتهد.

قال ابن تيمية رحمه الله: “وقولهم مسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل، أمّا الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإنه يُنكر بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء.

وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو إجماع وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار.

أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع وللاجتهاد فيها مساغ لم ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً” [بيان الدليل على بطلان التحليل (ص 210-211) باختصار].

رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

تنبيه:

هذه مادة منقولة من عدد من المراجع وليس لي منها شيء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

5 × 4 =

شاهد أيضاً

إغلاق