مقالات

رسائل في ساحة الاعتصام (نص)

بسم الله الرحمن الرحيم

رسائل في ساحة الاعتصام

خطبة 12 أبريل 2019

ساحة الاعتصام

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فجمعتنا هذه رسائل مهمة أبعث بها ونحن في ساحة اعتصامنا هذه.

لا بقاء لطاغية

ففي الصحيحين، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ، إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ».

ومن أعجب الأمور أن الطاغية لا يتعظ بحال أسلافه من الطغاة! وقد أمر الله بهذا الاتعاظ، فقال: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [النمل: 69].

مشروعية الاعتصام

وقد كان الاعتصام لرفع الظلم، والنهي عن المنكر، معروفا من قديم، وهذان اعتصامان ذكرهما ابن الجوزي رحمه الله:

الأول: في المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي (ج16/ ص94) في أحداث سنة 458هـ

ذكر انتشار بعض بدع عاشوراء، ثم قال: “واجتمع خلق كثير بعد أن أغلقوا دكاكينهم، وقصدوا دار الخلافة وبين أيديهم الدعاة والقراء وهم يلعنون أهل الكرخ، وتكلموا من غير تحفظ في القول، فراسلهم الخليفة ببعض الخدم أننا قد أنكرنا ما أنكرتم”.

والثاني: في المصدر السابق أيضاً (ج16/ص138) في أحداث 464هـ “واجتمع الحنابلة في جامع القصر من الغد فأقاموا فيه مستغيثين، وأدخلوا معهم الشيخ أبا إسحاق الشيرازي وأصحابه، وطلبوا قلع المــــَواخير بيوت الدعارة وتتبع المفسدات ومن يبيع النبيذ، فوعدهم أمير المؤمنين بذلك”.

وإذا كان التظاهر السلمي والاعتصام من وسائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا تفوتوا أيها المعتصمون احتساب الأجر من الله، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا أجر إلا عن حسبة ولا عمل إلا بنية» أخرجه الديلمي، وصححه الألباني.

أخطاء النظام الحاكم لا علاقة لها بدين الإسلام

أرأيت لو ادعى شخص كذباً أنك أسأت إلى فلان بكذا وكذا، ولم يكن ذلك منك، هل من العدل أن تنسب هذه الإساءات إليك!

أليس من الشعارات التي تتردد في هذه الثورة: حرية سلام وعدالة، وهي من قيم الإسلام بلا ريب!؟ فلم ننسب أخطاء العصبة الحاكم إلى الإسلام إذا كان الإسلام بريئا منها.

إنني أقف موقف الدفاع عن الإسلام لا لأن الإسلام يحتاج إليَّ أو إلى غيري!! الإسلام آخذ في الانتشار بإذن الله، بل أقف هذا الموقف لحاجتي أنا للأجر المترتب على ذلك.

ففي مسند أحمد، عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ».

فأخطاء المسلمين والمنافقين نتبرأ منها ولا ننسبها إلى ديننا ولا نطعن في ديننا بسببها، فهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض.

في صحيح البخاري، بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ إِلَى بَنِي جَذِيمَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلاَمِ، فَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا: أَسْلَمْنَا، فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: صَبَأْنَا صَبَأْنَا، فَجَعَلَ خَالِدٌ يَقْتُلُ مِنْهُمْ وَيَأْسِرُ، وَدَفَعَ إِلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ أَمَرَ خَالِدٌ أَنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا أَسِيرَهُ، فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لاَ أَقْتُلُ أَسِيرِي، وَلاَ يَقْتُلُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي أَسِيرَهُ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْنَاهُ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ مَرَّتَيْنِ».

وأذكر لكم أمثلة تدل على صدق كلامي هذا:

الإسلام والفساد المالي

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ، فَفَتَحَ اللهُ عَلَيْنَا فَلَمْ نَغْنَمْ ذَهَبًا وَلَا وَرِقًا، غَنِمْنَا الْمَتَاعَ وَالطَّعَامَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ انْطَلَقْنَا إِلَى الْوَادِي، وَمَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدٌ لَهُ، وَهَبَهُ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُذَامٍ يُدْعَى رِفَاعَةَ بْنَ زَيْدٍ مِنْ بَنِي الضُّبَيْبِ، فَلَمَّا نَزَلْنَا الْوَادِيَ، قَامَ عَبْدُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحُلُّ رَحْلَهُ، فَرُمِيَ بِسَهْمٍ، فَكَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، فَقُلْنَا: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةُ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إِنَّ الشِّمْلَةَ لَتَلْتَهِبُ عَلَيْهِ نَارًا أَخَذَهَا مِنَ الْغَنَائِمِ يَوْمَ خَيْبَرَ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ»، قَالَ: فَفَزِعَ النَّاسُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ» رواه مسلم.

وثبت في مسند أحمد، عَنْ أَبِي رَافِعٍ رضي الله عنه، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى الْعَصْرَ رُبَّمَا ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَيَتَحَدَّثُ مَعَهُمْ حَتَّى يَنْحَدِرَ لِلْمَغْرِبِ، فَبَيْنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْرِعًا إِلَى الْمَغْرِبِ إِذْ مَرَّ بِالْبَقِيعِ فَقَالَ: «أُفٍّ لَكَ، أُفٍّ لَكَ»، فَكَبُرَ فِي ذَرْعِي، وَتَأَخَّرْتُ وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُنِي، فَقَالَ: «مَا لَكَ؟ امْشِ». قُلْتُ: أَحْدَثْتُ حَدَثًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكَ»؟ “، قُلْتُ: أَفَّفْتَ بِي، قَالَ: ” لَا، وَلَكِنَّ هَذَا قَبْرُ فُلَانٍ بَعَثْتُهُ سَاعِيًا عَلَى بَنِي فُلَانٍ، فَغَلَّ نَمِرَةً فَدُرِّعَ الْآنَ مِثْلَهَا مِنْ نَارٍ».

فأبطل هذا النص ما لا يُسمى بفقه السترة! وبين موقف الإسلام من الاعتداء على المال العام؛ فإنه إهدار لموارد البلاد، ومهما كبر حجم الإنتاج في بلد إذا لم يُحارب الفساد فيه فإن هذه الثروات تصب في صالح طائفة معينة، وما أكثرهم، لا كثرهم الله، وكسرهم، وقصم ظهرهم.

الإسلام والتحلُّل!!

ثبت في سنن أبي داود، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهم، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَصَابَ غَنِيمَةً أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى فِي النَّاسِ فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ فَيَخْمُسُهُ وَيُقَسِّمُهُ، فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا فِيمَا كُنَّا أَصَبْنَاهُ مِنَ الغَنِيمَةِ. فَقَالَ: «أَسَمِعْتَ بِلَالًا يُنَادِي ثَلَاثًا؟» قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ؟» فَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: «كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ عَنْكَ».

والزِّمام الخِطام الذي يوضع على أنف الجمل ليقاد به.

قال الملا علي القاري رحمه الله: “وإنما لم يقبل ذلك منه; لأن جميع الغانمين فيه شركة، وقد تفرقوا، وتعذر إيصال نصيب كل واحد منهم إليه فتركه في يده ليكون إثمه عليه”.

هذا في شأن من يتعذر إرجاع ما اختلسه وغله إلى أصحابه، فكيف يقال بأن من قبض عليه متلبساً باحتلاساته نقبل تحلله ولا نعاقبه!!؟ أيقول بهذا من يعقل قوله!

وليس معنى ذلك أن الله أوصد باب التوبة، وإنما فعل ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم للتغليظ عليه.

الإسلام والمحاباة

في الصحيحين، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ المَرْأَةِ المَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ، فَقَالُوا: وَمَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ فَقَالُوا: وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ»؟! ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا».

وبعد فتح مكة جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَامَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَمِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي يَدِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مَعَ السِّقَايَةِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ؟ فَدُعِيَ لَهُ، فَقَالَ: هَاكَ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ، الْيَوْمُ يَوْمُ بِرٍّ وَوَفَاءٍ [سيرة ابن هشام 2/ 412].

والحجابة: أَن تكون مَفَاتِيح الْبَيْت عِنْده فَلَا يدْخلهُ أحد إِلَّا بِإِذْنِهِ.

والسِّقَايَة: يعْنى سِقَايَة زَمْزَم، وَكَانُوا يصنعون بهَا شرابًا فِي الْمَوْسِم للْحَاج الّذي يوافي مَكَّة ويمزجونه تَارَة بِعَسَل، وَتارَة بِلَبن، وَتارَة بنبيذ، يتطوعون بذلك من عِنْد أنفسهم.

الإسلام والظلم

وقد سبق عنه في الحديث في سبعِ خطب، كلها في تحذير ديننا منه، ومن أهله.

لكن لابد لي هنا من التذكير بآيتين، فيهما عبرة لمن أراد الله به خيراً:

قل تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام: 21]، لا يفلحون لا في الدنيا ولا في الآخرة.

والثانية: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ [طه: 111].

الإسلام وسياسة الترضيات

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا عَلَى قَوْمٍ، وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُو أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ، وَخَانَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَانَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ» رواه ابن أبي عاصم. وهذا لا يثبت سنداً، ومعناه صحيح، ويروى موقوفاً عن الفاروق رضي الله عنه.

صورة مشرقة للحكم الراشد في الإسلام

ذكر ابن الجوزي في مناقب عمر (ص225) أن معاذ بن جبل رضي الله عنه جاء بمال كثير من اليمن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليها معاذًا حاكماً وقاضياً، فعهد الصديق بهذا الملف إلى الفاروق رضي الله عنهما ليحقق فيه، فلأنه اتجر، ويخشى أن الناس قد أقبلوا على التعامل معه لكونه حاكماً أبقى له أمير المؤمن عمر أصل ماله، وأودع الربح في بيت مال المسلمين، فرأى معاذ في منامه كانه يسقط في النار، فأنقذه منها عمر رضي الله عنه.

هذا هو الحاكم في الإسلام

في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (2/ 125) دَخَلَ أَبُو مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيُّ عَلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رضي الله عنه وَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَجِيرُ.

فَقَالَ النَّاسُ: الْأَمِيرُ يَا أَبَا مُسْلِمٍ!

ثُمَّ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْأَجِيرُ.

فَقَالَ النَّاسُ: الْأَمِيرُ!

فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: دَعُوا أَبَا مُسْلِمٍ هُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُ. قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: “إِنَّمَا مَثَلُكَ مَثَلُ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَوَلَّاهُ مَاشِيَتَهُ، وَجَعَلَ لَهُ الْأَجْرَ عَلَى أَنْ يُحْسِنَ الرَّعِيَّةَ وَيُوَفِّرَ جَزَازَهَا وَأَلْبَانَهَا، فَإِنْ هُوَ أَحْسَنَ رَعِيَّتَهَا، وَوَفَّرَ جَزَازَهَا حَتَّى تَلْحَقَ الصَّغِيرَةُ وَتَسْمَنَ الْعَجْفَاءُ، أَعْطَاهُ أَجْرَهُ وَزَادَهُ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً، وَإِنْ هُوَ لَمْ يُحْسِنْ رَعِيَّتَهَا وَأَضَاعَهَا حَتَّى تَهْلِكَ الْعَجْفَاءُ وَتَعْجَفَ السَّمِينَةُ وَلَمْ يُوَفِّرْ جَزَازَهَا وَأَلْبَانَهَا غَضِبَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الْأَجْرِ فَعَاقَبَهُ وَلَمْ يُعْطِهِ الْأَجْرَ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا شَاءَ اللهُ كَانَ.

لابد من القصاص من الحاكم السابق

في المعجم الكبير للطبراني، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ مَوْعُوكًا قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «خُذْ بِيَدِي يَا فَضْلُ» فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمِنْبَرِ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «صَحْ فِي النَّاسِ»، فَصِحْتُ فِي النَّاسِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي حُقُوقٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرَهُ فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدَّ مِنْهُ، أَلَا وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدَّ مِنْهُ، أَلَا لَا يَقُولَنَّ رَجُلٌ إِنِّي أَخْشَى الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ طَبِيعَتِي وَلَا مِنْ شَأْنِي، أَلَا وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ اللهَ وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ، أَلَا وَإِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي حَتَّى أَقُومَ فِيكُمْ مِرَارًا».

حكم الطعن في الإسلام

كفر مخرج من الملة.

قال ربنا: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: 65، 66].

لا يصلح الناس إلا دينُ الله والتحاكم إليه

بعد أن علمنا أن الحكم السابق لا علاقة له بالإسلام فلابد أن نعلم أنه لا صلاح للناس إلا بدين الله تعالى، اليوم عندما تنتج الشركات جهازا جديداً ليس للناس سابق علم به فلابد أن ترفق معه إرشادات لتشغيله، فهم أعلم الناس بجهازهم هذا، وكذلك الأمر في مسألتنا هذه، ما دمنا نعتقد أن الله هو الذي خلقنا فلا ريب أنه لا صلاح لنا إلا بالتحاكم إلى دين ربنا وشرعه الذي وضعه لنا.

لما حُكم دين الله حقيقة في عهد عمر بن عبد العزيز كان الناس لا يجدون من يأخذ مال الزكاة، ولما تلاعبو الناس بدين الله في وقتنا هذا حيل بين مال الزكاة وبين من يحتاج إليها!

شعيب عليه السلام لما أرسله الله إلى ميدن قال لهم: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88]، ففي إقامة دين دين الله صلاح العبادج والبلاد.

وربنا قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾ [الملك: 14].

أي: ألا يعلم ربُّ العالمين خَلْقه وشؤونهم، وهو الذي خَلَقهم وأتقن خَلْقَهُمْ وأحسنه؟ وهو اللطيف بعباده، الخبير بهم وبأعمالهم.

الانتقام ليس من أخلاق الإسلام في شيء

في صحيح البخاري، قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: “والله مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ قط”.

لا يجوز الاعتداء على الممتلكات العامة أو الخاصة

في صحيح مسلم، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّ رجلا قال له: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ، تُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، إِنْ قُتِلْتَ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ»، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَتُكَفَّرُ عَنِّي خَطَايَايَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «نَعَمْ، وَأَنْتَ صَابِرٌ مُحْتَسِبٌ، مُقْبِلٌ غَيْرُ مُدْبِرٍ، إِلَّا الدَّيْنَ، فَإِنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِي ذَلِكَ».

ولو سرق أحد من المال العام، فبنى بيتاً، فإن من واجبنا أن نحافظ على بيته هذا حتى يكون ملكاً لدولتنا التي نستظل جميعا بظلها، أما من أتلف منه شيئا فلا فرق بينه وبين من سرقه؛ لاشتراكهما في حرمان الناس من مال عام.

رب صل وسلم على نبينا محمد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × ثلاثة =