مقالات

خطب الجمعة وقضايا السياسة

بسم الله الرحمن الرحيم

خطبة الجمعة وقضايا السياسة

26 جمادى الآخرة 1441، الموافق: 21 فبراير 2020

مسجد السلام بالطائف مربع (22)

مهران ماهر عثمان

محاور الخطبة:

  • خطبة الجمعة: أحكام وآداب.
  • تناول قضايا السياسة في خطبة الجمعة
  • تعريف السياسة.
  • تناقض عجيب!
  • شبهة وجوابها.
  • نداءان.

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فهذه أحكام وتنبيهات تتعلق بخطبة الجمعة، تعظم الحاجة إلى التعرف عليها، فأقول مستعيناً بالله:

خطبة الجمعة: أحكام وآداب

  • اتفق الفقهاء من المذاهب الأربعة على أن الخطبة شرط لصحة الصلاة يوم الجمعة، فهي من ذكر الله الذي أمر الله تعالى بالسعي إليه في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [سورة الجمعة: 9]. قال ابن قدامة رحمه الله: “وجملة ذلك أن الخطبة شرط في الجمعة، لا تصح بدونها… ولا نعلم فيه مخالفا إلا الحسن” [المغني 2/ 74].
  • اتفق الفقهاء أيضا على شرطين من شروط خطبة الجمعة: 1/ أن تقع بعد دخول وقت صلاة الجمعة. 2/ أن تقع قبل الصلاة وليس بعدها.
  • ومن الشروط كذلك: 3/ ألا يطول الفصل بين الخطبتين. 4/ النية؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات» متفق عليه، فيشترط أن ينوي الخطيب الخطبة المجزئة لصلاة الجمعة، وبه قال الحنابلة وبعض الشافعية. 5/ الجهر، فلا يجزئ أن يخطب الخطيب سراً؛ إذ لا يتحقق مقصود الخطبة إلا بالجهر بها، وبهذا قال جمهور أهل العلم إلا الحنفية.
  • والجماعة شرط في الجمعة، وأقل الجمع ثلاثة وهو قول أبي حنيفة ورواية لأحمد واختار ذلك ابن تيمية [الاختيارات ص 79]. وقد اشترط بعض أهل العلم حضور عدد معين لخطبة الجمعة، وهذا لا يصح، فيصح أن يخطب في واحد واثنين، وإذا كانوا ثلاثة صحَّت جمعتهم.
  • واشترط بعضهم أن تكون الخطبة باللغة العربية، وهذا لا يصح كذلك، بل الأولى أن تكون بغير العربية إذا كان المصلون لا يفهمونها.
  • وهناك سنن ينبغي أن تُراعى، منها: ما جاء في أثر ابن عمر رضي الله عنهما: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس” متفق عليه. ويستحب للخطيب أن يلبس أحسن ثيابه، ويسلم على الناس، ويخطب على المنبر، وأن يقبل على الناس بوجهه، وأن يقصر خطبته فلا يطولها.
  • ومما يتعلق بالخطبة من الأحكام: أنه لا يصلح أثناء خطبة الجمعة أن يتكلم أي أحد بأي كلام سوى الإمام.

قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت» رواه البخاري ومسلم .

وقال: «مَنْ مَسَّ الْحَصَى فَقَدْ لَغَا» رواه مسلم. وفي مصنف عبد الرزاق: «ومن لغا فلا جمعة له».

قال الإمام النووي: “في الحديث النهيُ عن جميع أنواع الكلام حال الخطبة” [شرح النووي على صحيح مسلم 6/138].

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله: “واستدل به على منع جميع أنواع الكلام حال الخطبة وبه قال الجمهور في حق من سمعها، وكذا الحكمُ في حقِّ من لا يسمعها عند الأكثر” [فتح الباري 2/533].

وأذكر بهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ، فَهُوَ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَالَّذِي يَقُولُ لَهُ: أَنْصِتْ، لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ». وقال الحافظ: إسناده لا بأس به.

وليس لنا مثل السوء، وشُبِّه بالحمار لماذا؟ لأن الحمار يحمل علما ولا يفهمه، وهذا يأتي إلى مكان العلم ولا يحسن أن يتعلم، ويأتي إلى مكان الأدب ولا يحسن أن يتأدب.

وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: «دخلت المسجد يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلست قريباً من أُبي بن كعب، فقرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة (براءة)، فقلت لأُبيٍّ: متى نزلت هذه السورة؟ قال: فتجهَّمني ولم يكلمني، فلما صلَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم قلت لأُبيٍّ: سألتك فتجهمتني ولم تكلمني؟ قال أُبيٌّ: مالك من صلاتك إلا ما لغوت! فذهبت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا نبي الله كنت بجنب أُبيٍّ وأنت تقرأ براءة، فسألته متى نزلت هذه السورة؟ فتجهمني ولم يكلمني ثم قال: مالك من صلاتك إلا ما لغوت، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صدق أُبيٌّ» رواه ابن خزيمة.

ومعنى تجهَّمني: قطَّب جبينه وعبس ونظر إليَّ مغضباً.

وعن بكر بن عبد الله المزني: “أن علقمة بن عبد الله المزني كان بمكة فجاء كريُّهُ – أي الذي أجَّره الدابة – والإمام يخطب يوم الجمعة فقال له: حسبتُ القومَ قد ارتحلوا، فقال له: لا تعجل حتى تنصرف، فلما قضى صلاته قال له ابن عمر: أما صاحـبـُك فـحـمـارٌ، وأما أنت فلا جـمـعةَ لك” [المحلى 3/269-270].

هذه هي خطبة الجمعة، وهذا بعض ما يتعلق بها من أحكام وآداب، فهل يصح أن نتناول قضايا السياسة في خطبة الجمعة؟

وقبل الإجابة عن هذا السؤال لابد من التعرف على معنى السياسة؛ فالحكم على الشيء فرع عن تصوره

ما هو تعريف السياسة؟

السياسة لغةً: القيام على الشيء بما يصلحه [لسان العرب 4/ 169].

والسياسة في العصر الحديث: “معرفة كل ما يتعلق بفن حكم دولة، وإدارة علاقاتها الخارجية” [علم السياسة، مارسيل بريلو، ترجمة محمد برجاوي، ص11].

فالمراد من الحديث عن القضايا السياسية في المساجد والخطب أمران:

  1. الحديث عما يتعلق بإدارة البلاد فيما فيه نص.
  2. الحديث عن حكم الله تعالى فيما يفعله السياسيون.

وعليه: فإن تناول هذين الأمرين في الخطب والمساجد من آكد الواجبات؛ لما يلي:

الدليل الأول:  كثرة قضايا السياسة في الخطاب القرآني والنبوي

ومن ذلك:

1/

قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: 7].

فهؤلاء المنافقون ضاقوا ذرعًا بالمسلمين في المدينة وكانوا يشعرون بالضغط الاقتصادي على الموارد، فتواصوا بحصار اقتصادي، فنزلت الآيات في هذا الشأن السياسي.

2/

قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى:38]. فنصت الآية على أنَّ للأمة حقاً في المشاركة في إدارة أمورها، وهذه قضية سياسية بامتياز، ذكرت في القرآن الكريم.

3/

قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: 44]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: 49، 50].

فبينت الآيات وجوب الحكم بما أنزل الله تعالى، وهذا شأن سياسي لم يغفله القرآن الكريم.

4/

النص على عقوبات الجرائم، وهذا أمر يتعلق بفن إدارة الدولة، فيجب سن مواد الدستور من هذه الآيات، أليس هذا شأناً سياسياً؟

قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة: 38].

وقال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [المائدة: 33].

وقال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: 2].

وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4].

5/

التحذير من التلاعب بالمال العام، ورد في السنة، وهذا شأن سياسي.

ففي صحيح البخاري، عَنْ خَوْلَةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ رِجَالًا يَتَخَوَّضُونَ فِي مَالِ اللَّهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَهُمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ».

6/

محاسبة المتلاعبين بالمال العام ورد في كثير من النصوص، وهذا شأن سياسي.

الدليل الثاني: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [آل عمران: 110].

وورد عن أسلافنا الإنكار العلني على ولاة الأمر، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ! فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ. فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ» رواه مسلم.

وهذا يتناول الإنكار في المنابر وغيرها.

كيف يسوغ للخطيب أن يسكت عن منكرات متفشية وربنا أوجب إنكار المنكرات هذه؟!

الدليل الثالث: تناول الخلفاء لقضايا السياسة.

لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله قد جمع أمركم على خيركم -صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين إذ هما في الغار- فقوموا فبايعوه، فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة، ثم تكلم أبو بكر وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: “أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم وليست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرد إليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، ولا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله” [تاريخ الخلفاء، ص 57].

ولابد من أن أختم خطبتي هذه بأسئلة ثلاثة

الأول:

كثير من هؤلاء الذين ينادون اليوم بألا يتكلم الخطباء عن القضايا السياسية كانوا يذمون الخطباء الذين لم ينكروا منكرات السابق: ويقولون: عالم سلطان!

أقول:

ما الفرق بين عالم سلطان في العهد السابق، وعالم سلطان في هذا العهد!؟

ما الفرق؟!!

السؤال الثاني:

أين الحرية التي بحَّت بها أصوات الثوار بهتافاتهم؟!!

أليس من الحرية حرية النقد؟

لماذا تحبون نقد خصومكم وتكرهون أن يتوجه إليكم؟!

أليس هذا من النفاق؟!

الجواب: بلى.

أين الدليل؟

قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 13].

فدلت الآية على أن رد النصح وعدم قبوله من صفات المنافقين، نعوذ بالله من حالهم.

السؤال الثالث:

هل لله حكم ومقال في المواقف السياسية أم لا؟!!

قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: 89].

فما من شأن إلا ولله فيه حكم، فكيف يقول عاقل: أحكام الله هذه لا تحدثونا عنها في المنابر والمسجد؟!!

شبهة وجوابها

يقولون: (ما تتكلموا في السياسة لانو احنا ما دايرين فتنة)!!

فالجواب:

أولاً:

الفتنة في عدم إنكار المنكر وليس في إنكاره.

قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: 25].

فالفتنة هنا: العذاب، ومعنى الآية: واحذروا -أيها المؤمنون- عذاباً يعم المسيء وغيره، ولا يختص بأهل المعاصي ولا من باشر الذنب، بل يصيب الصالحين معهم إذا قدروا على إنكار الظلم ولم ينكروه، واعلموا أن الله شديد العقاب لمن خالف أمره ونهيه.

ثانياً:

من صفات المنافقين ترك الواجب الشرعي بحجة الخوف من الفتنة!

قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ [التوبة: 49]، فتركوا الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم –وهو واجبٌ عليهم-، خوفاً من الفتنة –زعموا!-، فمن ترك واجباً وادعر أنه تركه خوف الفتنة ففيه شبه منهم!

أي: ومن هؤلاء المنافقين من يطلب الإذن للقعود عن الجهاد ويقول: لا توقعني في الابتلاء بما يعرض لي في حالة الخروج من فتنة النساء، لقد سقط هؤلاء المنافقون في فتنة النفاق الكبرى؛ فإن جهنم لمحيطة بالكافرين بالله واليوم الآخر، فلا يفلت منهم أحد.

نداءان أختم بهما

الأول:

لشباب ولجان المساجد:

لا تسمحوا أبداً بأن ينتهك أحد حرمة مساجدكم، وواجبكم أن تدافعوا عن حرمة مسجدكم، بإسكات كلِّ من يحاول أن يحدث الفوضى في المساجد بإخراجه منها بالقوة، وإجباره على السكوت، وحراسته خارج المسجد، ورفع أمره للجهات المختصة بعد الصلاة.

الثاني:

نداء للمسؤولين يتعلق بالمجرم (أب صبَّة)

اعلموا أنه يجب عليكم قتل هذا المجرم بذات الطريقة التي قتل بها ثمانية عشر نفساً، وهي: أن يرمى رأسه بحجر كبير حتى يموت ويريح الله الخليقة من شره.

ففي الصحيحين، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، قِيلَ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ، أَفُلاَنٌ، أَفُلاَنٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَأَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ، فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.

أي: وضع رأسها على حجر، ورماها بحجر آخر [شرح النووي على مسلم 11/  158].

قال الخطابي رحمه الله: “وفيه دليل على جواز اعتبار القتل، فيقتص من القاتل بمثل ما فعله، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأحمد بن حنبل” [معالم السنن 4/  14].

وقال ابن حجر رحمه الله في التعليق على حديث العرنيين الذي كحَل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم بالمسامير المحمية: ” وفي هذا الحديث من الفوائد … المماثلة في القصاص، وليس ذلك من المثلة المنهي عنها” [فتح الباري 1/ 341].

رب صل وسلم على نبينا محمد، والحمد لله في البدء والختام.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنا عشر − ستة =

شاهد أيضاً

إغلاق