مقالات

ثوب جديد5 شبهات العلمانيين

بسم الله الرحمن الرحيم

ثوب جديد (5)

خطبة 2 صفر 1441، الموافق: 2 أكتوبر 2019

مسجد السلام بالطائف (22)

 

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، أما بعد؛

علمنا أيها الكرام أن هذه السلسلة ستعنى بالرد على شبهات العلمانيين، وقد مضى الحديث في الجمعة الأولى والثانية عن الانقياد، وفي الثالثة والرابعة عن فصل الدين عن الدولة، وهيمنة الشرع، وهذا أوان الشروع في الشبهات التي وعدت في الجمع الماضية بالإجابة عنها كلها بحول ربنا وقوته.

الشبهة (1)

كيف تطلبون منا أن نحكم بقانون مضى عليه أكثر من ألفٍ وأربعِ مائة عام؟!

والجواب:

هل صلاح القوانين يعلم بقدمها وحداثتها؟ الجواب: لا، ما دامت التشريعات صالحةً مناسبةً لأحوال الناس فإعمالها خير للناس ولو تقادم زمانها.

فربنا هو الذي خلقنا، وهو أعلم بما يصلحنا، قال تعالى: { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } [الملك: 14]. وقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50].

يقول الشيخ صديق حسن خان في “فتح البيان في مقاصد القرآن” (3/ 447) “لا يكون أحدٌ حكمُه أحسنَ من حكم الله، أو مساوٍ له عند أهل اليقين لا عند أهل الجهل والاهواء

الشبهة (2)

الدنيا تغيرت، فلابد أن تتغير الأحكام التي ندين لله بها، وفي قواعد الشرع: “الأحكام تتغير بتغير الزما والمكان”.

الدنيا تغيرت صحيح لا غبار عليه.

الأحكام تتغير!!

من الذي يغيرها؟

هل غيرها الله تعالى؟ لا، من ادعى ذلك فعليه أن يأتي بالدليل.

غير الله؟ لا يملك ذلك. قال ربنا: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21].

في سنن الترمذي، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ. فَقَالَ: يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الوَثَنَ، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةٌ: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ».

وأما القاعدة (الأحكام تتغير بتغير الزمان والمكان)

  • فكثير من العلماء يعبر عنها بقوله: (الفتوى تتغير).
  • ما المراد بهذه القاعدة؟

1/ بعض الناس يخاطبون ببعض العبادات لا يخاطب بها غيرهم، كالزكاة، والصلاة قائما.

2/ تغير العرف له أثر في تغير الفتوى، فمسافة 150 كيلو إذا كان عرف أهل بلد أن من قطعها مسافر فهو مسافر يترخص برخص السفر، وإن وُجد في غيرها من الأمكنة أن أهلها لا يعدون من قطع مسافة 190 كيلو مسافراً فليس بمسافر.

مثال آخر: زكاة الفطر، فإنها تكون ذرةً في بلد، وتكون تمراً في آخر، وتكون قمحاً في غيرهما، وهكذا، فإن الله أوجبها من عامة قوت أهل البلد.

فشريعة الله تعالى ثابتة لا تتغير، قال الإمام الشاطبي رحمه الله في بيان ميزات أحكام التشريع القطعية – : “الثبوت من غير زوال، فلذلك لا تجد فيها بعد كمالها نسخاً، ولا تخصيصاً لعمومها، ولا تقييداً لإطلاقها، ولا رفعاً لحكم من أحكامها، لا بحسب عموم المكلفين، ولا بحسب خصوص بعضهم، ولا بحسب زمان دون زمان، ولا حال دون حال، بل ما أثبت سبباً: فهو سبب أبداً لا يرتفع، وما كان شرطاً: فهو أبداً شرط، وما كان واجباً: فهو واجب أبداً، أو مندوباً: فمندوب، وهكذا جميع الأحكام، فلا زوال لها، ولا تبدل، ولو فُرض بقاء التكليف إلى غير نهاية: لكانت أحكامها كذلك” [الموافقات 1/ 109 ، 110].

الشبهة (3)

يقولون: الدين لله، والوطن للجميع!

وهذا خطأ!

الدين لله.

والوطن لله.

والمواطنون لله.

ويجب على المواطنين التحاكم إلى شرع الله.

هذه تقريرات أربعة تنسف الشبهة نسفاً فلا تبقي لها أثراً.

وهذا خطأ!

الدين لله.

{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3].

والوطن لله.

{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف: 128].

فدلت الآية على أن الأوطان لله، وأن العاقبة للمتقين، والمتقون من يُعملون شرع الله.

{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 11، 12].

والمواطنون لله.

قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} [الزخرف: 87].

ويجب على المواطنين التحاكم إلى شرع الله.

قال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ } [المائدة: 44].

وقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ } [المائدة: 45]

وقال: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47]

هذه آيات ثلاثة تنسف العلمانية نسفاً.

وهذه تقريرات أربعة تدمغ الشبهة دمغاً.

أما إذا أريد بعبارة (والوطن للجميع) أن من حقهم أن يعيشوا بسلام فيه، وأنهم جميعاً سواء أمام القانون الإلهي، ولا أحد منهم فوق القانون فهذا حق، وقد عاش المنافقون وأهل الكتاب والمشركون في سلام مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مدينته.

زعيم المنافقين نال من عرض نبينا صلى الله عليه وسلم.

وفعل ما هو معلوم معه.

ومع ذلك: منع الناس من قتله، وصلى عليه، وكفنه في ثوبه.

الشبهة (4)

الشريعة على فهم من؟

يقولون: تنادون بالشريعة، وسؤالنا: الشريعة على فهم من؟ فلديكم عدد من المذاهب!؟

وبعضهم يقول: نحن أمام إسلامات متعددة، فأي إسلام نطبِّق!؟

وبالتأكيد ليس الغرض من إثارة المسألة البحث عن المرجعية الحقة لتكون هي المرجع! وإنما القصد التزهيد في أن تكون الشريعة حاكمة.

فجود الخلاف في مسألة ما لا يسوِّغ جحد الأقوال كلها، بل يوجب الاجتهاد للصول إلى الحقيقة، مثلاً: وُجد خلاف بين الملاحدة والمؤمنين في وجود الله، فهل هذا يعني أن الباحث في هذه القضية إذا وجد خلافاً فإنه يتوقف في المسألة!!

مثال آخر:

هناك خلاف في الأديان، ما هو الدين الحق.

فوجود الخلاف لا يعني أن نكفر بها كلها، وإلا لكانت النار مردَّ من اعتقد ذلك.

فهذا الخلاف يوجب البحث للتعرف على الحقيقة وما هو الدين الحق.

مثال ثالث:

إذا أردت شراء عربة فرشح لك سمسار عربة على أنها أفضل ما يمكن الحصول عليه بالمال الذي معك، ورشح لك غيره غيرها، فهل ستلغي فكرة الشراء!؟ أم ستبحث عن الحقيقة بسؤال من تثق فيه؟

إذا:  كيف نتعامل مع الخلاف في المسائل الشرعية؟ نبحث عن الراجح.

ثم إن من المقرر عند علمائنا: أن قضاء القاضي يرفع الخلاف، فما حكم به القاضي في مسائل الخلاف فإنه يكون ملزماً للطرفين.

فالاجتهاد أمر يحبه الله، والحكمة من هذا الخلاف بين العلماء إزكاء روح الاجتهاد، والمجتهد بين الأجر والأجرين، وقد ثبت في الصحيحين، عَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ».

قال النووي رحمه الله: “قَالَ الْعُلَمَاءُ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي حَاكِمٍ عَالِمٍ أَهْلٍ لِلْحُكْمِ فَإِنْ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ وَأَجْرٌ بِإِصَابَتِهِ وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ” [شرح النووي على مسلم 12/ 14].

ويقال أيضاً: كم نسبة المسائل التي وقع فيها خلاف بالنسبة إلى المتفق عليه!!؟ نسبة لا تذكر.

ثم إن الأئمة لم يختلفوا في الأصول، وإنما في الفروع، فلا خلاف بينهم في أن شارب الخمر يُجلد، فذهب الأحناف ومالك إلى أنه ثمانون، وذهب الشافعي إلى أنه أربعون.

الشبهة (5)

يقولون: الإلزام بأحكام الإسلام يورث النفاق!

  1. يجب أن نعرف هؤلاء بحقيقة النفاق، وهو إبطان الكفر وإظهار الإسلام، أما الانقياد لمنع الدستور من شيء خوفاً من العقاب المنصوص عليه فهذا ليس نفاقاً.
  2. أنتم تزعمون أن الإلزام بأحكام الله يورث النفاق، ونحن نوقن أن عدم إعمال شرع الله يجعل المجتمع مسخاً لا روح فيه، تتفشى فيه الفواحش والمنكرات.
  3. سؤال: المخدرات وما تتفق القوانين الوضعية على منعه هل يقال لا ينبغي أن ينص على منع شيء لأن هذا يفضي إلى النفاق! معنى هذا أن إشكالهم ليس مع (الإلزام) في حد ذاته، وإنما مع المرجعية التي يتكئ الإلزام عليها، فإن كانت مرجعية دينية قالوا: هذا يورث النفاق، وإن كان الإلزام واقعاً بالقانون رحبوا به! هذا عينُ النفاق! كيف؟ لأن من دُعي إلى حكم الله فرفضه منافق، فكيف بمن دعى إلى تحية شرع الله، هذا رأس في النفاق {وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا}.

ويستمر الحديث عن الشبهات في الجمعة القادمة بمشيئة الله

رب صل وسلم على نبينا محمد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

15 − ثلاثة =