مقالات

ثوب جديد3- فصل الدين عن الدولة

بسم الله الرحمن الرحيم

فصل الدين عن الدولة

خطبة مسجد السلام بالطائف (22)

13 محرم 1441، 13/9/2019

مهران ماهر عثمان

الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

مسألة فصل الدين عن السياسة وبيان أن الحاكمية لله تحدثت عن هذا الأمر كثيراً في عهد الإنقاذ، كان آخرها يوم 15/3/2019، كان حديثي في الجمعة الأولى عن قضية الحاكمية هذه، وفي الجمعة الثانية كان حديثي عن دخول القوات النظامية لبيوت الناس دونما استئذان بحثاً عن المتظاهرين وبينت أن هذه جريمة في دين الله.

أقول ذلك إجابة عن قول من سيقول: لم لم تتحدثوا عن ذلك في عهد الإنقاذ؟ هل كانوا يحكمون بشرع الله؟!

قصة للعقلاء!

أبدأ جمعتي هذه بأن أحدثكم عن قصة شاب كان له صديقان:

صديقٌ وفيٌّ لم يرَ منه سوءً قط، يقف معه في جميع أزماته، يعينه، يرشده، لم يتخل عنه طرفة عين، وله صديق عاشره لسنوت طويلة، لُدغ منه مرات ومرات، إلى أن جاء وقت بلغت فيه سآمته من هذا المشؤوم مبلغا كبيرا فقرر أن يتركه وأن يتخلص منه، وهذا قرار سليم يُحمد عليه، ولكن صاحبنا تخلص من صديقيه، المؤذي والوفي، ماذا تقولون في هذا الشاب!؟

لا عقل له. لأن العقل يقتضي أن يدع من يؤذيه وأن يبقي على من ينفعه ولم ير منه إلا الخير.

هذه القصة أردت أن تكون بداية في الرد على من يتنصل من دينه بسبب ممارسات حكومة الإنقاذ.

حكومة الإنقاذ تاجرت بدين الله، والسؤال: هل نتخلى عنها فقط، أم نتخلى عنها وعن دين الله تعالى!!؟

ما ذنب الإسلام أن أساء إليه هؤلاء.

هذا المعنى تناولته بإسهاب في خطبتين سابقتين، في 1/3/2019، وفي 8/3/2019.

فالذي يتخلى عن دينه لأن الإنقاذ كانت لها ممارسات خاطئة هذا لا دين له، والصواب أن نكفر بالإنقاذ وممارساته الخاطئة ونتمسك بديننا الذي جاء به نبينا صلوات الله وسلامه عليه.

لقد دلت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى على أن الحكم لله رب العالمين:

قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى:10]، وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر:12]، وقال تعالى: ﴿لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص:88]، وقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة:50]، وقال: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام:62]، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [الرعد:41].

والتحاكم إلى غير شريعة الله تحاكم إلى الطاغوت، وهذا صنيع المنافقين، لا يكون إلا منهم، فالذي يتحاكم إلى غير الشريعة منافق، فكيف بمن ينادي إلى إلغائها!! لا ريب أنه رأس في النفاق.

قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (60) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (62) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء/60-63]

وقال: ﴿وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور/47-51].

والأمر بالتحاكم إلى ما أنزل الله هنا أكد بمؤكدات ثمانية في بعض الآيات:

بيّن ربنا تعالى أن الحكم بغير ما أنزل الله حكم الجاهلين، وأن الإعراض عن حكم الله تعالى سبب لحلول عقابه وبأسه الذي لا يرد عن القوم الظالمين، يقول سبحانه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة/49، 50].

والمؤكدات الثمانية هي:

الأول: الأمر به في قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَآ أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.

الثاني: أن لا تكون أهواء الناس ورغباتهم مانعة من الحكم به بأي حال من الأحوال وذلك في قوله: ﴿وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾

الثالث: التحذير من عدم تحكيم شرع الله في القليل والكثير، والصغير والكبير، بقوله سبحانه: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾.

الرابع: أن التولي عن حكم الله وعدم قبول شيء منه ذنب عظيم موجب للعقاب الأليم، قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ﴾.

الخامس: التحذير من الاغترار بكثرة المعرضين عن حكم الله، فإن الشكور من عباد الله قليل، يقول تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾.

السادس: وصف الحكم بغير ما أنزل الله بأنه حكم الجاهلية، يقول سبحانه: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾.

السابع: تقرير المعنى العظيم بأن حكم الله أحسن الأحكام وأعدلها، يقول عز وجل: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا﴾.

الثامن: أن مقتضى اليقين هو العلم بأن حكم الله هو خير الأحكام وأكملها، وأتمها وأعدلها، وأن الواجب الانقياد له، مع الرضا والتسليم، يقول سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾[من كلمة للعلامة ابن باز رحمه الله، في رسالته: وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه].

الشرك ليس معنى قاصراً على عبادة الأصنام! فمن تبع أحداً في تشريع ما لم يأذن به الله فقد عبده واتخذه رباً وإلهاً!

قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى:21].

وما دلت عليه الآيات القرآنية من كون الله هو الحَكَم وأن الحكم والتشريع له وحده قد دلت عليه أيضًا السنة الصحيحة؛ فعن شريح بن هانئ عن أبيه هانئ أَنَّهُ لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ يَكْنُونَهُ بِأَبِي الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: «انَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكْنَى أَبَا الْحَكَمِ»؟ فَقَالَ: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي، فَحَكَمْتُ بَيْنَهُمْ فَرَضِيَ كِلاَ الْفَرِيقَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «مَا أَحْسَنَ هَذَا، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ». قَالَ: لِي شُرَيْحٌ، وَمُسْلِمٌ، وَعَبْدُ اللهِ، قَالَ: «فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ»؟. قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: «فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ» رواه أبو داود والنسائي، وصححه الألباني.

يقول ابن الأثير معلقًا على الحديث: “وإنما كره له ذلك؛ لئلا يشارك الله في صفته” [النهاية في غريب الحديث 1/419].

وفي دعاء الاستفتاح في صلاة التهجد يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ» متفق عليه، أي: رفعت الحكم إليك ولا حكم إلا لك.

وعَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: «يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ»، فَطَرَحْتُهُ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: «﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ﴾»، [التوبة: 31] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ: «أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللهُ فَتُحَرِّمُونُهُ، ويُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟» قُلْتُ: بَلَى، قَالَ: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ» رواه الترمذي والطبراني.

فمن الشرك: أن تشرع مادة في القانون تخالف بها حكم الله، ومن الشرك طاعة أحد فيما فيه مخالفة لله تعالى.

مناقشة من ينادي بفصل الدين عن الدولة

1/ كيف يفصل الدين عن الدولة وربنا سبحانه الذي خلقنا أمرنا بأن نحكم دينه وشرعه؟

2/ هل الدين والدولة يعيشان في منطقتين مستقلتين لا تماس بينهما، أم أنهما متداخلان؟ لا يريب أن الدين له حكم في العلاقات بين الجنسين، وفي العلاقات الأسرية، والاجتماعية، وفيما يحل أكله وشربه وما يحرم، وهكذا. وكلها أمور تدخل بالضرورة في مجال الدولة.

بل إن الأمور الشخصية قد تدخل في دائرة مؤسسات الدولة.

فلو أن رجلاً طلق زوجته، ثم أعادها، ثم طلقها، ثم أعادهان ثم طلقها، وأراد أن يعيدها إلى عصمته، واختصما إلى القضاة، هذه مسألة شخصية بحته، دخلت في دائرة مؤسسات الدولة بسبب الخصومة بين الزوجين، فالسؤال:

بماذا سيحكم القاضي؟

سيقضي بأنه ليس من حقه أن يرجعها لقول ربنا: ﴿الطلاق مرتان﴾، أي: الطلاق الذي يملك فيه الزوج حق الرجعة، وهذا بيان عملي بأنه لا يمكن فصل الدين عن مؤسسات الدولة، وإذا قضى بردها إليه كانا زانيين.

3/ العلمانية لم تعد محايدة بين الأديان بل صارت هي نفسها ديناً.

فما معنى الدين؟

في المعجم الوسيط (1/307)  “(الدّين) الدّيانَة وَاسم لجَمِيع مَا يعبد بِهِ الله وَالْملَّة وَالْإِسْلَام والاعتقاد بالجنان وَالْإِقْرَار بِاللِّسَانِ وَعمل الْجَوَارِح بالأركان والسيرة وَالْعَادَة وَالْحَال والشأن والورع والحساب وَالْملك وَالسُّلْطَان وَالْحكم وَالْقَضَاء وَالتَّدْبِير”.

ومنه قول ربنا: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: 76].

والمراد “في قضاء الملك، لأن قضاء الملك أن من سرق إِنما يُضرب ويُغرَّم، قاله أبو صالح عن ابن عباس. وبيانه أنه لو أجرى أخاه على حكم الملك ما أمكنه حبسه، لأن حكم الملك الغرم والضرب فحسب، فأجرى الله على ألسنة إِخوته أن جزاء السارق الاسترقاق” [زاد المسير في علم التفسير (2/ 459)].

قال المُثَقِّب العبدي عن ناقته:

تقُـــولُ إِذَا دَرَأتُ لهـــــا وَضِينِــــي***أَهـــــــذا دِينُـــــــهُ أَبَــــــداً ودِيـنِـي

أي:

تقول هذه الناقة بلسان حالها وقد وضعت عليها الأحزمة والسيور فعلمت أني أريد أن أمضي بها بعيدا أتبقى هذه عادته وعادتي هكذا إلى الأبد _أي: عادة الارتحال-؟

فإذا كان دوام الحل والارتحال ديناً، فما بالك باعتياد معتقدات وقيم وسلوك؟ فلا يخدعنك علماني، فالعلمانية دينن والإسلام دين، وعليك أن تختار ديناً من هذين الدينين.

فدين الملك نظامه وشريعته. وكذلك: دين الله، فهو نظامه وشريعته.

إن صاحب كتاب (العالمانية طاعون العصر) عقد فصلا كاملاً لبيان أن العلمانية دين عند أهلها، وأورد العديد من النقول في ذلك.

4/ إن أكثر ما يتعلل به دعاة العلمانية في بلادنا هو اختلاف الأديان في البلد الواحد.

والسؤال:

ماذا إذا لم يكن في البلد إلا مسلمون، أو كان غير المسلمين أفراداً قلائل؟ كم نسبة المسلمين اليوم في السودان؟ لماذا تُراعى هذه القلة على حساب الغالبية من المسلمين، هل تراعي أمريكا وفرنسا وغيرها القلة المسلمة في تشريعاتها، أم أن الأقلية المسلمة هناك يخضعون لقوانينهم التي تصادم شريعتهم في كثير من القضايا، ما الذي يمنع أن يُسن هنا قانون يراعي الأغلبية وينطبق على الجميع كما هو الحال في تلك الدول!؟

5/ يقال لمن ينادي بفصل الدين عن الدولة:

النقاط التي تفارق فيها العلمانية خط الإسلام، هل وجدتم لله فيها تشريعاً وحكماً أم لا؟ لا ريب أن الله قد حكم فيها، فهل نأخذ بما قضى به الله أم بما قضت به العلمانية!؟

6/ يقولون: لم ترد كلمة السياسة في القرآن، فهذا يدل على أن الإسلام لا علاقة له بالسياسة!! ونقول لهم: ولم ترد كلمة العقيدة في القرآن فهل يعني ذلك ألا نكون على عقيدة! لم ترد لكن كل صفحات كتاب الله عقيدة، لم ترد كلمة (الفضيلة)، لكن القرآن يدعو إليها.

فلم تأت كلمة السياسة، لكن جاءت كلمة الملك، والحكم، وبين الله أنه الحكم، والحكيم، وبين أن من أشرك في حكمه أحداً فقد كفر.

وفي السنة «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء» رواه البخاري ومسلم، والمعنى: “يَتَوَلَّوْنَ أُمُورَهُمْ كَمَا تَفْعَلُ الْأُمَرَاءُ وَالْوُلَاةُ بِالرَّعِيَّةِ وَالسِّيَاسَةُ الْقِيَامُ عَلَى الشيء بما يصلحه” [شرح النووي على مسلم 12/ 231].

7/ مما سبق نعلم ما هي السياسة؟

قال النووي: وَالسِّيَاسَةُ الْقِيَامُ عَلَى الشيء بما يصلحه.

فهل يستطيع أحد أن يدعي أن النظام الذي جاء به يصلح دنيا وآخرة الناس أكثر مما جاء به الله تعالى!؟ هل يجرؤ أحد على ذلك؟! ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14]، ألا يعلم ربُّ العالمين خَلْقه وشؤونهم، وهو الذي خَلَقهم وأتقن خَلْقَهُمْ وأحسنه؟ وهو اللطيف بعباده، الخبير بهم وبأعمالهم.

8/ تأكيد على مسأل سبق بيانها، وسؤال مطروح على العلمانيين:

لما ثار الناس على حكومة الإنقاذ هل ثاروا للمطالبة بأن نجعل شهادة المرأة كشهادة الرجل في كل أحوالها؟ هل ثاروا لخلع الحجاب؟ هل ثاروا لفصل الدين عن السياسة والدولة؟

ثاروا ضد الاستبداد والظلم وشظف العيش، ولم يثر أحد ضد دين الله تعالى.

9/ بشارة أختم بها:

﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾ [الرعد: 17].

فالباطل يذهبُ ويبقى الحق.

ولكن علينا أن نقوم بما أمر الله به.

أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر كما أمر الله.

أن نثبت أقدامنا في طريق الإصلاح.

والعاقبة للمتقين.

رب صل وسلم على نبينا محمد.

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اثنان + اثنا عشر =