خطب منبرية مفرغة

بر الوالدين: مكانته وفضله

 

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛ فإن من آكد الواجبات التي كتبها علينا ربنا سبحاننه بر الوالدين، وما من طاعة أعظم بركة بعد تحقيق التوحيد من هذه الطاعة، وهذه نقاط كنت قد خطبت بها، فأودعتها في مقال، أسأل الله أن ينفع به.

عظيم حق الوالدين

قال تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ} [البقرة/83].

وهذا ميثاق أخذه الله علينا كما أخذه على من قبلنا، قال الله: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [النساء/36].

وفي الوصايا العشر:

{قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الأنعام: 151].

وقال: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [الإسراء: 23].

ووصية الله بالوالد قائمة وإن كان مشركا عابدا لوثن، قال الله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [العنكبوت: 8].

وقال: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان: 14، 15].

وقال: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: 15].

وفي السنة تأكيد على أمر هذه الوصية العظيمة والميثاق الغليظ:

فعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يوصيكم بأمهاتكم –ثلاثا-، إن الله يوصيكم بابائكم، إن الله يوصيكم بالأقرب فالأقرب» رواه ابن ماجة.

ولا يجزي ولد والده إلا في حالة واحدة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه» رواه مسلم.

وبر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله:

عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال جاء رجل إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فاستأذنه في الجهاد فقال أحي والداك قال نعم قال ففيهما فجاهد» رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن رجلا من أهل اليمن هاجر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «هل لك أحد باليمن»؟ قال: أبواي. قال: «أذنا لك»؟ قال: لا. قال: «فارجع إليهما، فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما» رواه أبو داود.

والجهاد ذروة سنام الإسلام، فكيف بجهاد يقود معركته رسول الله صلى الله عليه وسلم.

والقيام على شؤون الوالدين خير من الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم

وتأمل في هذا الحديث الذي خرجه مسلم في صحيحه:

ثبت أَنَّ الطُّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو الدَّوْسِيَّ رضي الله عنه أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَلْ لَكَ فِي حِصْنٍ حَصِينٍ وَمَنْعَةٍ؟ – قَالَ: حِصْنٌ كَانَ لِدَوْسٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ – فَأَبَى ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِي ذَخَرَ اللهُ لِلْأَنْصَارِ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَهَاجَرَ مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوُا الْمَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزِعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآهُ الطُّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فِي مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئَتُهُ حَسَنَةٌ، وَرَآهُ مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟ فَقَالَ: غَفَرَ لِي بِهِجْرَتِي إِلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا لِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلِحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ، فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ».

ومع ما للهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأجر الكبير، إلا أنها لا تعدل بر الوالد والقيام على شؤونه..

ودونك هذا الحوار الذي خرجه مسلم في صحيحه:

أقبل رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:

– أبايعك على الهجرة والجهاد أبتغي الأجر من الله.

– فقال له نبينا صلى الله عليه وسلم: «فهل من والديك أحد حي»؟

– قال نعم، بل كلاهما حي.

– قال: «فتبتغي الأجر من الله»؟

– قال: نعم.

– قال: «فارجع إلى والديك، فأحسن صحبتهما».

فضل بر الوالدين

من ذلك:

أنه أحب الأعمال إلى الله

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها»،  قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين»، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» رواه البخاري ومسلم.

سبب لتفريج الكروب

ففي الصحيحين في حديث الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى الغار توسل أحدهم ببر الوالد، ففرج الله عنه.

البركة في الرزق والعمر

عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سره أن يمد له في عمره، ويزاد في رزقه، فليبر والديه، وليصل رحمه» رواه أحمد.

وعن ثوبان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، وإن الرجل ليحرم الرزق بخطيئة يعملها» رواه أحمد وحسنه الألباني.

والبر سلف

والجزاء من جنس العمل، قال ربنا: {هل جزاء الإحسان إلا الإحسان}.

وبر الوالد سبب لقبول العمل وتكفير السيئات

قال الله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ} [الأحقاف: 15، 16].

دخول الجنة

روى أحمد عن أبي الدرداء مرفوعاً: «الوالد أوسط أبواب الجنة». أوسط: أفضل.

نيل رضاء الله

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رضا الله في رضا الوالد، وسخط الله في سخط الوالد» رواه الترمذي.

آثار في بر الوالدين

قال طاوس-رحمه الله: “إن من السنة أن نوقر أربعة: العالم، وذو الشيبة، والسلطان، والوالد” [الدر المنثور].

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: ثلاث آيات مقرونات بثلاث: لا تقبل واحدة بغير قرينتها: {وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ} [المائدة:92]، فمن أطاع الله ولم يطع الرسول لم يقبل منه. {وَأَقِيمُواْ ٱلصَّـلَوٰةَ وَاتُواْ ٱلزَّكَـوٰةَ} [النور:56]. فمن صلى ولم يزك لم يقبل منه، وقال: {أن اشكر لي ولوالديك} فمن شكر الله ولم يشكر لوالديه لم يقبل منه”.

وله في الأدب المفرد بإسناد متكلم فيه: “ما من مسلم له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسبا إلا فتح الله له بابين (يعني من الجنة)، وإن كان واحدا فواحد، وإن أغضب أحدهما لم يرض الله عنه حتى يرضى عنه. قيل: وإن ظلما؟ قال: وإن ظلما.

وسئل الحسن البصري ما بر الوالدين؟ قال: “أن تبذل لهما ما ملكت وأن تطيعهما فيما أمراك به إلا أن يكون معصية” [الدر المنثور للسيوطي 5/259].

قال قتادة رحمه الله: “كانوا يرون أنه من بَرّ والديه، وكان فيه أدنى تُقى، فإن ذلك مُبْلِغه جسيم الخير [تفسير الطبري 17/420].

ربِّ صل وسلم على نبينا محمد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 × خمسة =

شاهد أيضاً

إغلاق