مقالات

الظلم ظلمات -نص

بسم الله الرحمن الرحيم

الظلم ظلمات

2 ربيع الآخر 1441هـ، الموافق: 29/ 11/ 2019م

مسجد السلام بالطائف (22)

مهران ماهر عثمان

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

المقدمة:

في الخامس والعشرين من شهر يناير في هذا العام تكلمت عن معصية الظلم، وكان سبب خطبتي صورة من صور ظلم النظام السابق، فقد ظُلم أبناؤنا في مواكبهم كثيراً؛ قتل، وجلد، واعتقالات، كل ذلك كان في عهد النظام السابق.

وقبل أن يمضي عامٌ على حديثي أتناول الموضوع نفسه لسبب آخر، وهو: صورة من صور ظلم الحكومة الانتقالية الحالية.

استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من الظلم

ثبت عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْفَقْرِ، وَالْقِلَّةِ، وَالذِّلَّةِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ» رواه أبو داود

وعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: مَا خَرَجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا قال: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» رواه أبو داود.

وهذان الحديثان مما يدلان على خطورة الظلم؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ منه كلما خرج من بيته.

الأمر باجتناب الظلم والنهي عنه

لقد جاء ذلك في نصوص عديدة:

ففي حديث جابر بن عبد الله رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «اتَّقُوا الظُّلْمَ» رواه مسلم.

وعن أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» رواه مسلم.

وعن عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قال: قال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ» رواه الشيخان.

ومعنى «لا يسلمه»، أي: لا يسلمه للعدو، بل يذب عنه وينافح دونه.

الترهيب من الظلم

الظالم آثم متوعد بالعذاب الأليم

قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى:42]، والسبيل: الحرج والإثم.

والظالم يبغضه الله ولا يحبه

قال ربنا: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: 40].

والظالم قد يؤخر، ولكنه لن ينجو من بأس الله تعالى أبداً

فالله تعالى يمهمله، ولكنه لا يهمله.

وقال تعالى: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42].

هذا المعنى حدَّث به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ»، قَالَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ رواه الشيخان.

والظالم يكون في سخط الله حتى ينزع.

 فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَعَانَ عَلَى خُصُومَةٍ بِظُلْمٍ، أَوْ يُعِينُ عَلَى ظُلْمٍ، لَمْ يَزَلْ فِي سَخَطِ اللَّهِ حَتَّى يَنْزِعَ» رواه ابن ماجه.

وهذا فيمن أعان الظالم، فكيف بالظالم نفسه؟!

ويستجيب الله دعوة المظلوم فيمن ظلمه

فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذٍ رضي الله عنه: «وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ» رواه الشيخان.

وقال: «ثلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَابَاتٌ لا شَكَّ فِيهِنَّ: دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ، وَدَعْوَةُ الْوَالِدِ عَلَى وَلَدِهِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِر» رواه الطبراني في الكبير.

وقال: «اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْغَمَامِ ، يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ جَلالُهُ : وَعِزَّتِي وَجَلالِي لأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ» رواه الطبراني في الكبير.

ويستجاب للمظلوم ولو كان فاجراً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دَعْوَةُ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ وَإِنْ كَانَ فَاجِرًا فَفُجُورُهُ عَلَى نَفْسِهِ» رواه أحمد، ويستجاب له ولو كان كافراً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «دعوة المظلوم وإن كان كافراً ليس دونها حجاب» رواه أبو يعلى

والظالم ينال عقابه في الدنيا قبل الآخرة

فعن أَبِي بَكْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :«مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ تَعَالَى لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِثْلُ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ» رواه أبو داود.

من صور الظلم في عهد الحكومة الانتقالية

الصورة الأولى: حجز أصول عشرات المنظمات، وإلغاء تسجيلها، وتجميد أرصدتها، وإغلاق حساباتها.

وليس يشك عاقل في ضرورة مراجعة عمل المنظمات، ومعاقبة من تورط في مخالفاتِ فسادٍ بما نصَّ عليه قانونها، لكن: أن يتم إلغاء تسجيلها، وحجر أصولها، وتجميد أرصدتها، وإغلاق حساباتها بالبنوك بلا تحقيق وبلا بينات، فهذا ظلم لا يرضاه ربنا سبحانه.

أين العدالة التي – لا أقول نادت الثورة إليها- بل أقول: التي امتلأت صفحات القرآن الكريم بالأمر بها؟

لماذا لا تحال المنظمات المشكوك فيها إلى التحقيق والقضاء قبل اتخاذ عقوباتٍ ضدَّها؟

أليس هذا هو العدل!!؟

إنني أذكر كل من تورط في ظلم أرملة أو يتيم أو مسكينٍ بأحاديثَ ثلاثةٍ:

الأول:

في سنن ابن ماجه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّجُ حَقَّ الضَّعِيفَيْنِ: الْيَتِيمِ، وَالْمَرْأَةِ».

وأحرج: أحذِّر تحذيراً شديداً.

والمعنى: أحذر من إضاعة شيء من حقهما.

والثاني:

في صحيح البخاري، أن سعد بن أبي وقاص رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رأى أَنَّ لَهُ فَضْلًا عَلَى مَنْ دُونَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ».

وسبب ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ساوى بينهما في المغنم، وكان الآخر في حامية القوم كما في المسند: قال سعد: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ الرَّجُلُ يَكُونُ حَامِيَةَ الْقَوْمِ، أَيَكُونُ سَهْمُهُ وَسَهْمُ غَيْرِهِ سَوَاءً؟ قَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ أُمِّ سَعْدٍ، وَهَلْ تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ إِلا بِضُعَفَائِكُمْ»؟

والثالث:

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَقَاضَاهُ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، حَتَّى قَالَ لَهُ: أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِلَّا قَضَيْتَنِي، فَانْتَهَرَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَالُوا: وَيْحَكَ تَدْرِي مَنْ تُكَلِّمُ؟ قَالَ: إِنِّي أَطْلُبُ حَقِّي، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلَّا مَعَ صَاحِبِ الْحَقِّ كُنْتُمْ؟» ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى خَوْلَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَقَالَ لَهَا: «إِنْ كَانَ عِنْدَكِ تَمْرٌ فَأَقْرِضِينَا حَتَّى يَأْتِيَنَا تَمْرُنَا فَنَقْضِيَكِ» ، فَقَالَتْ: نَعَمْ، بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأَقْرَضَتْهُ، فَقَضَى الْأَعْرَابِيَّ وَأَطْعَمَهُ، فَقَالَ: أَوْفَيْتَ، أَوْفَى اللَّهُ لَكَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ خِيَارُ النَّاسِ، إِنَّهُ لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ» رواه ابن ماجه.

وغير متعتع: أي بدون عنت أو مشقة.

ولا قدست: دعاء بأن لا يطهرها الله تعالى.

2/ من صور الظلم: الإقصاء التي يمارس بسبب الانتماء الحزبي.

ومعلوم أنه لا سبيل إلى الاستقرار في أي بلد من البلاد يقوم على هذا الإقصاء؛ لأن الظلم يولد الرغبة في الانتقام، وهذا مما يهدد استقرار البلاد.

إنني أدعو إلى محاكمة كل من تورط في جريمة فساد أو قتل، لكن أن يُقصى أو يضيق على سوادني في بلده السودان انتمائه فهذا ظلم فاحش يجب علينا أن نحذر جميعاً منه.

وسبق لي أن ذكَّرتُ بما فعله المهندس/ محمود شريف أسأل الله أن يجعله من خير الشهداء، لما طلب منه أن يفصل ثلاثة من أعضاء الحزب الشيوعي، نعلم جميعاً أنه كتب اسمه في أول القائمة، وأصر على الإبقاء عليهم لكفاءتهم.

والحديث عن الكفاءة يقود إلى الصورة الثالثة، وهي:

3/ من صور الظلم –أعني ظلم هذا الشعب- أن يسند الأمر بعد ثورتهم التي بذلوا لها أرواح كثير شبابهم إلى غير أهله.

كم تمنينا أن يتولى أمر هذه البلاد أهل الكفاءة! وهذا مما كنت أنادي به في خطب الاعتصام، محور كامل في إحدى الخطب كان عنوانه: كفاءات بلا انتماءات!! ونادى إلى ذلك كل حريص على مصلحة هذه البلاد.

وقد ثبت في جامع الطبراني الكبير قولُ نبينا صلى الله عليه وسلم: «من تولى عملاً وهو يعلم أنه ليس لذلك العمل أهل فليتبوأ مقعده من النار»، وفي السنة لابن أبي عاصم، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنِ اسْتَعْمَلَ عَامِلًا عَلَى قَوْمٍ، وَفِي تِلْكَ الْعِصَابَةِ مَنْ هُو أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ، فَقَدْ خَانَ اللَّهَ، وَخَانَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَخَانَ جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ» .

4/ إن من أبشع صور ظلم هذا الشعب أن يسند أمر المناهج إلى من يصرِّح بأن الشريعة ليست صالحةً لكل زمان ومكان!!

والظلم في لسان العرب: وضع الشيء في غير موضعه كما في الصحاح للجوهري!

من الظلم الفاحش يا رئيس الوزراء أن يسند أمر المناهج في هذه البلاد التي يتشوف غالب أهلها إلى أن يكون أولادها من حفاظ القرآن الكريم إلى من يعترض على أن الطالب في الصف الأول أساس يحفظ 23 سورة، وهذه السور تقع فقط في أربع ورقات وصفحة واحدة!

والعجيب أنه قال –وقد كتبتُ رداً مفصلاً عليه-: “ما مطلوب انو الواحد يكتر من قراءة القرآن”!

وهذا جهل عميق!

فقد قال ربنا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41].

وقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10].

ويدخل في الأمر بالإكثار من ذكر الله تعالى: الإكثار من تلاوة القرآن الكريم، قال ربنا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

وفي الصحيحين، عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ».

آناء الليل وآناء النهار تعني أن تعني الكثْرة؟

مثل هذا الذي يصرح بأن الشريعة التي حكم بها النبي صلى الله عليه وسلم لا تصلح لزماننا هذا!! مثل هذا يُنصَّب في هذه البلاد مسؤولاً عن المناهج!!

ونصيحتي لمن نصبه أن يحذر من هذا الحديث: روى مسلم في صحيحه، عن مَعْقِل بْن يَسَارٍ الْمُزنِي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ الله رَعِيَّةً يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ إِلَّا حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ».

5/ من صور الظلم أن يحبس أناس بسبب انتماءاتهم من زمنٍ بدون محاكمة!!

ومن حق الآدمي أن يكون حراً طليقاً، فحق الحرية هذه مكفول لكل أحد ما لم يرتكب ما يوجب أن يعزر بالحبس.

من آثار الظلم في الآخرة

الظلم ظلمات

فعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه الشيخان. قال السيوطي رحمه الله: “قيل هُوَ كِنَايَة عَن الشدائد” [شرح السيوطي على مسلم 5/ 518].

ومما يندرج من المعاني تحت هذا الحديث: أنه ظُلمة على الصراط، فلقد أخبر الله عن أناس ممن سخط عليهم عوقبوا في الآخرة بظلمة الصراط، قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: 12، 13]، ومن هؤلاء الذين لا يجدون لهم نوراً على الصراط: الظالمون.

ومما جاء في نعته: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال -في جزء من حديث طويل-: «ثُمَّ يُؤْتَى بِالْجَسْرِ فَيُجْعَلُ بَيْنَ ظَهْرَيْ جَهَنَّمَ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الجَسْرُ؟ قَالَ: «مَدْحَضَةٌ مَزِلَّةٌ عَلَيْهِ خَطَاطِيفُ، وَكَلاَلِيبُ» رواه الشيخان.

الدَّحْضُ: الزَّلَق.

مزلة: موضع الزلل.

وكل ظالم يفصل الله في الآخرة بينه وبين من ظلمه في الدنيا

قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (30) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: 30، 31].

وفي صحيح مسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ»؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ، وَصِيَامٍ، وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».

رب صل وسلم على نبينا محمد.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

17 − 3 =

شاهد أيضاً

إغلاق