خطب منبرية مفرغة

السمع والبصر (5) مناقب الفاروق رضي الله عنه

بسم الله الرحمن الرحيم

السمع والبصر (5)

مناقب الفاروق رضي الله عنه

خطبة 20 رجب 1439هـ

مسجد السلام بالطائف (22) | مهران ماهر عثمان

المقدمة

الحمد لله، وأصلِّي وأسلِّم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد؛

سبق حديثٌ في هذه السلسلة عن الأحاديث التي بين فيها نبينا صلى الله عليه وسلم فضل وزيرَيه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، وحديثنا في هذه الجمعة عن الأحاديث التي نطقت بفضائل الفاروق رضي الله عنه خاصة.

 

رجلٌ أعزَّ الله به دينه!

عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب خاصة» رواه ابن حبَّان.

وفي صحيح البخاري، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن مسعود رضي الله عنه: “مَازِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ”.

وقال أيضاً: “إن إسلام عمر رضي الله عنه كان فتحا، وإن هجرته كانت نصرا، وإن إمارته كانت رحمة، والله ما استطعنا أن نصلي عند الكعبة ظاهرين حتى أسلم عمر، فلما أسلم، قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة، وصلينا معه” رواه ابن حنبل في فضائل الصحابة، وهو في صحيح السيرة ص (188).

 

الفاروق رضي الله عنه في المنام النبوي

من علماء الصحابة

قال ابن عمر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: «بينما أنا نائم أوتيت بقدح من لبنٍ، فشربت منه حتى إنِّي لأرى الرِّيَّ يجري في أظفاري، ثم أعطيتُ فضلِي عمرَ»، قالوا: فما أوَّلتَ ذلك؟ قال: «العلم» متفق عليه.

قصرٌ في الجنة لعمر

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ رَأَيْتُنِي فِي الْجَنَّةِ، فَإِذَا امْرَأَةٌ تَوَضَّأُ إِلَى جَانِبِ قَصْرٍ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَكَرْتُ غَيْرَةَ عُمَرَ، فَوَلَّيْتُ مُدْبِرًا»، فبكى عُمَرُ، وَنَحْنُ جَمِيعًا فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ عُمَرُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟ رواه البخاري ومسلم.

خلافته رحمة وبركة

قال أبو هريرة رضي الله عنه: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ، عَلَيْهَا دَلْوٌ، فَنَزَعْتُ مِنْهَا مَا شَاءَ اللهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ فَنَزَعَ بِهَا ذَنُوبَيْنِ، وَفِي نَزْعِهِ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، ضَعْفٌ، ثُمَّ اسْتَحَالَتْ غَرْبًا، فَأَخَذَهَا ابْنُ الْخَطَّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا مِنَ النَّاسِ يَنْزِعُ نَزْعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ» رواه البخاري ومسلم.

والقليب: البئر غير المطوية، والنزع الاستقاء،  والذنوب: الدلو المملوءة، والذنوبان: العامان اللذان حكم فيهما أبو بكر رضي الله عنه، واستحالت: صارت وتحولت من الصغر إلى الكبر، غربا: الغرب الدلو العظيمة، والعبقري هو السيد المبدع، ضرب الناس بعطن: أرووا إبلهم ثم آووها إلى عطنها وهو الموضع الذي تساق إليه بعد السقي لتستريح.

قال العلماء: هذا المنام مثال واضح لما جرى لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما في خلافتهما، وقوله صلى الله عليه وسلم في أبي بكر رضي الله عنه: «وفي نزعه ضعف»، فليس فيه حط من فضيلة أبي بكر ولا إثبات فضيلة لعمر عليه، وإنما هو إخبار عن مدة ولايتهما وكثرة انتفاع الناس في ولاية عمر لطولها ولاتساع الإسلام وبلاده والأموال وغيرها والفتوحات ومصر الأمصار ودون الدواوين. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «والله يغفر له»، فليس فيه تنقيص له ولا إشارة إلى ذنب وإنما هي كلمة كان المسلمون يدعمون بها كلامهم ونعمت الدِّعامة.

وقوفه عند حدود ربه

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ عُرِضُوا عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ، فَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثَّدْيَ، وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ اجْتَرَّهُ»، قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «الدِّينَ» رواه الشيخان.

وقوله: «الدين»: أي تمكنه من النفس وظهور آثاره على الجوارح من التزام أحكامه والوقوف عند حدوده.

أفضل الأمة بعد صدِّيقها

عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: “خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة، فقال: «رأيت قبل الفجر كأني أعطيتُ المقاليد والموازين؛ أما المقاليد فهذه المفاتيح، وأما الموازين فهذه التي تَزِنُون بها، فَوُضِعتُ في كفَّة ووُضعَتْ أمتي في كفّة، فوُزِنتُ بهم فرَجَحْتُ، ثم جيء بأبي بكر فوُزن بهم فوزَن، ثم جيء بعمر فوُزن فوزَن بهم، ثم جيء بعثمان فوُزِن فَوَزَن بهم، ثم رُفِعَت» رواه أحمد، وقال أحمد شاكر: “إسناده صحيح”.

 

الموافقات العمرية لما أنزل الله تعالى

وافق ربنا سبحان في أمور عديدة، قال السيوطي رحمه الله في تاريخ الخلفاء: “أوصلها بعضهم إلى عشرين موافقة”.

ولا غروَ؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رِجَالٌ، يُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ، فَإِنْ يَكُنْ مِنْ أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ فَعُمَرُ» رواه البخاري.

وعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللهَ تَعَالَى جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ» رواه أحمد، وهو في صحيح الجامع (1731).

وعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب» رواه أحمد، وهو في الصحيحة برقم (327).

 

ومن هذه الموافقات:

ما ثبت في الصحيحين، أن عمر رضي الله عنه قال: “وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلاَثٍ: فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] وَآيَةُ الحِجَابِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَمَرْتَ نِسَاءَكَ أَنْ يَحْتَجِبْنَ، فَإِنَّهُ يُكَلِّمُهُنَّ البَرُّ وَالفَاجِرُ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجَابِ، وَاجْتَمَعَ نِسَاءُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبَدِّلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ}، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ.

وفي الصحيحين، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ أَنْ يُكَفِّنَ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَامَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَتُصَلِّي عَلَيْهِ وَقَدْ نَهَاكَ اللهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ” إِنَّمَا خَيَّرَنِي اللهُ فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً وَسَأَزِيدُ عَلَى سَبْعِينَ ” قَالَ: إِنَّهُ مُنَافِقٌ، فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ} [التوبة: 84]

وفي مستدرك الحاكم أنه قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا، فأنزل الله تحريمها.

وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أنس رضي الله عنه، قال: قال عمر: لما نزلت هذه الآية: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِين}، قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين، فنزلت: {فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14].

وفي مسند أحمد، أن نبينا صلى الله عليه وسلم اسْتَشَارَ أَبَا بَكْرٍ وَعَلِيًّا وَعُمَرَ رضي الله عنهم في أسارى بدر، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، هَؤُلاءِ بَنُو الْعَمِّ وَالْعَشِيرَةُ وَالْإِخْوَانُ، فَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْخُذَ مِنْهُمُ الْفِدْيَةَ فَيَكُونُ مَا أَخَذْنَا مِنْهُمْ قُوَّةً لَنَا عَلَى الْكُفَّارِ، وَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُمْ فَيَكُونُونَ لَنَا عَضُدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَرَى يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟» قَالَ: قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى مَا رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُمَكِّنَنِي مِنْ فُلانٍ – قَرِيبًا لِعُمَرَ – فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ عَلِيًّا مِنْ عَقِيلٍ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَتُمَكِّنَ حَمْزَةَ مِنْ فُلانٍ أَخِيهِ فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ، حَتَّى يَعْلَمَ اللَّهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي قُلُوبِنَا هَوَادَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، هَؤُلاءِ صَنَادِيدُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَقَادَتُهُمْ، فَهَوِيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قُلْتُ، فَأَخَذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، فَلَمَّا أَنْ كَانَ مِنَ الْغَدِ، قَالَ عُمَرُ غَدَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا هُوَ قَاعِدٌ وَأَبُو بَكْرٍ وَإِذَا هُمَا يَبْكِيَانِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي مَاذَا يُبْكِيكَ أَنْتَ وَصَاحِبَكَ؟ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الَّذِي عَرَضَ عَلَيَّ أَصْحَابُكَ مِنَ الْفِدَاءِ، لَقَدْ عُرِضَ عَلَيَّ عَذَابُكُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ» – لِشَجَرَةٍ قَرِيبَةٍ – وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} [الأنفال: 67] إِلَى قَوْلِهِ {لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ} [الأنفال: 68].

ومن موافقاته لنبينا صلى الله عليه وسلم:

ما رواه أحمد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلاً أصاب من امرأة قبلة، وسأل نبينا صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئا}، فقال: يا رسول الله إليّ خاصة أم للناس عامة؟ فضرب عمر صدره بيده فقال: لا ولا نعمة عين! بل للناس عامة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَ عمر».

 

سيد مهاب

لقد كان الفاروق رضي الله عنه عظيماً مهاباً.

فعن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، قال: اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعِنْدَهُ نِسَاءٌ مِنْ قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ وَيَسْتَكْثِرْنَهُ، عَالِيَةً أَصْوَاتُهُنَّ، فَلَمَّا اسْتَأْذَنَ عُمَرُ قُمْنَ يَبْتَدِرْنَ الْحِجَابَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَرَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْحَكُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَضْحَكَ اللهُ سِنَّكَ، يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَجِبْتُ مِنْ هَؤُلَاءِ اللَّاتِي كُنَّ عِنْدِي، فَلَمَّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابْتَدَرْنَ الْحِجَابَ» قَالَ عُمَرُ: فَأَنْتَ، يَا رَسُولَ اللهِ أَحَقُّ أَنْ يَهَبْنَ، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ: أَيْ عَدُوَّاتِ أَنْفُسِهِنَّ أَتَهَبْنَنِي وَلَا تَهَبْنَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قُلْنَ: نَعَمْ، أَنْتَ أَغْلَظُ وَأَفَظُّ مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَكَ الشَّيْطَانُ قَطُّ سَالِكًا فَجًّا إِلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّكَ» رواه البخاري ومسلم.

يستكثرنه: يطلبن كثيرا من كلامه وجوابه بحوائجهن وفتاويهن.

عالية أصواتهن: قال القاضي: يحتمل أن هذا قبل النهي عن رفع الصوت فوق صوته صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن علو أصواتهن إنما كان لاجتماعها لا أن كلام كل واحدة بانفرادها أعلى من صوته صلى الله عليه وسلم.

يبتدرن الحجاب: يتسارعن ويتسابقن للاختباء.

أضحك الله سنك: دعاء بمزيد السرور واستمراره.

يهبن: من الهيبة، وهي الخوف مع الإجلال والوقار

أغلظ وأفظ: الفظ والغليظ بمعنى واحد وهما عبارة عن شدة الخلق وخشونة الجانب قال العلماء وليست لفظة أفعل هنا للمفاضلة بل هي بمعنى فظ وغليظ.

فجاً: الفج الطريق الواسع.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بخَزِيرة قد طبختها له، فقلت لسودة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينها: كلي، فأبت، فقلت: لتأكِلَنَّ, أو لألطخنَّ وجهك، فأبت، فوضعت يدي في الخزيرة , فطليت وجهها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوضع بيده لها وقال لها: «الطخي وجهها»، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم لها، فمر عمر رضي الله عنه فقال: يا عبد الله, يا عبد الله, فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيدخل، فقال: «قوما فاغسلا وجوهكما»، قالت عائشة رضي الله عنها: فما زلت أهاب عمر؛ لهيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه أبو يعلى، وهو في الصحيحة برقم (3131).

والخزيرة: طعام فيه لحم، والهيبة: الاحترام والإجلال.

وعن بريدة الأسلمي رضي الله عنه قال: “خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه, فلما انصرف جاءت جارية سوداء, فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى , فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن كنت نذرت فاضربي, وإلا فلا», فجعلت تضرب, فدخل أبو بكر رضي الله عنه وهي تضرب, ثم دخل علي رضي الله عنه وهي تضرب, ثم دخل عثمان رضي الله عنه وهي تضرب, ثم دخل عمر رضي الله عنه فألقت الدف تحتها ثم قعدت عليه, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطان ليخاف منك يا عمر , إني كنت جالسا وهي تضرب , فدخل أبو بكر وهي تضرب , ثم دخل علي وهي تضرب , ثم دخل عثمان وهي تضرب , فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف» رواه أحمد، وصححه الألباني في الإرواء (2588).

فرضي الله عنه وأرضاه.

قال عبد الله بن سلمة: سمعت علياً رضي الله عنه يقول: “خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر، وخير الناس بعد أبي بكر عمر”. رواه ابن ماجه وصححه الألباني .

رب صل وسلم وبارك على نبيا محمد وآله.

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

3 × اثنان =

شاهد أيضاً

إغلاق