خطب منبرية مفرغة

الرضا عن الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الرضا عن الله

جمعة 30 ذو الحجة 1435ه، الموافق: 24 أكتوبر 2014م

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، أما بعد؛

فممن مدحهم الله تعالى في كتابه: الراضون عن الله، قال تعالى: {قَالَ الله هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة/119]، وقال: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة/100]، وقال: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ الله أَلَا إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [المجادلة/22]، وقال: {إنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} [البينة/7-8].

رضي الله عنهم: بما أطاعوه في الدنيا، وعملوا لخلاصهم من عقابه في ذلك.

ورضوا عنه: بما أعطاهم من الثواب يومئذ، على طاعتهم ربهم في الدنيا، وجزاهم عليها من الكرامة.

والرضا نوعان:

الرضا بالله.

قال الامام النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: “قال صاحب التحرير رحمه الله: معنى رضيت بالشيء قنعت به واكتفيت به، ولم أطلب معه غيره. فمعنى الحديث لم يطلب غير الله تعالى، ولم يسع في غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم. ولا شك في أن من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه ، وذاق طعمه”.

وهذا من لوازم الرضا عن الله، فالرضا بالله يقود إلى الرضا عن الله، والرضا عن الله ثمرة من ثمرات الرضا بالله.

عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه سلم قَالَ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْ رَضِيَ بِالله رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ». فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ الله. فَفَعَلَ. رواه مسلم. وفي رواية: «ذاق طعم الإيمان».

وقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «من قال إذا أصبح: رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، فأنا الزعيم، لآخذن بيده حتى أدخله الجنة» رواه الطبراني.

وقال صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَقُولُ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: رَضِيتُ بِالله رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى الله أَنْ يُرْضِيَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه أحمد.

وعَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِالله رَبًّا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ» رواه مسلم.

وأما الرضا عن الله فهو التسليم بكل ماقدر الله وقضى، وعدم التسخط على مر القضاء.

فما هي أسباب الرضا عن الله؟

أن تعلم أن الله أرحم بك من ولدك ووالدك.

فقد أوصى الله الوالد بولده فقال: {يوصيكم الله في أولادكم}، وأوصى الولد وأمره ببر والده.

وقد ثبت في الصحيحين، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ الله عَنْهُ قال: قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَإِذَا امْرَأَةٌ مِنْ السَّبْيِ قَدْ تَحْلُبُ ثَدْيَهَا تَسْقِي إِذَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَقَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتُرَوْنَ هَذِهِ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ»؟ قُلْنَا: لَا وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لَا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: «لله أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا».

وربوبية الله ربوبية رحمة، وليست ربوبية بطش وانتقام.

في فاتحة الكتاب: {بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (1) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة/1-3]

إخبار عن الرحمة، ثم ذكر للربوبية، ثم إخبار عن الرحمة..

أن تعلم أن الله لا يريد بك إلا الخير.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليكون له عند الله المنزلة، فما يبلغها بعمل، فما يزال يبتليه بما يكره حتى يبلغه إياها» رواه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه.

وفي الصحيحين أن ابن عباس رضي الله عنهما قال لعطاء رحمه الله: أَلَا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ؟ قال: بَلَى. قَالَ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ، أَتَتْ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَتْ: إِنِّي أُصْرَعُ، وَإِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ الله لِي. قَالَ: «إِنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنَّةُ، وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ الله أَنْ يُعَافِيَكِ»؟ فَقَالَتْ: أَصْبِرُ. فَقَالَتْ: إِنِّي أَتَكَشَّفُ، فَادْعُ الله لِي أَنْ لَا أَتَكَشَّفَ، فَدَعَا لَهَا.

أن توقن بأن خيرة الله لك خير من خيرة نفسك.

قال تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. تكررت هذه الآية أربع مرات في القرآن الكريم، في البقرة (216)، و(232)، وفي آل عمران (66)، وفي النور (24).

وهذا مثال يجلي المراد من هذه الآية:

قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَالله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة : 216].

وقال: {وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ الله أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ} [الأنفال: 7].

هذا حال المجاهد قبل أن يخوض غمار الحرب..

فما حاله بعد أن يخوضها ويفوز بالشهادة في سبيل الله؟

يحدثنا أنس بن مالك رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ الله خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلَّا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى» متفق عليه.

ارض عن الله؛ فإن الأمور بمآلاتها.

في سنن الترمذي عن عَنْ جَابر بن عبد الله رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلَاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ».

ومن أسباب الرضا عن الله أن تعلم أنَّ الابتلاء سبيل الأولين والآخرين من المؤمنين.

فعن أبي سعيد رضي الله عنه، أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو موعوك، عليه قطيفة، فوضع يده فوق القطيفة فقال: ما أشد حماك يا رسول الله! قال: «إنا كذلك، يشدد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر»، قال: يا رسول الله من أشد الناس بلاء؟ قال: «الأنبياء». قال: ثم من؟ قال: «العلماء». قال: ثم من؟ قال: «الصالحون، كان أحدهم يبتلى بالقمل حتى يقتله، ويبتلى أحدهم بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يلبسها، ولأحدهم كان أشد فرحا بالبلاء من أحدكم بالعطاء» رواه أحمد وابن ماجة وابن أبي الدنيا في كتاب المرض والكفارات والحاكم واللفظ له.

وفي صحيح البخاري عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا، قَالَتْ: “مَا أَكَلَ آلُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أَكْلَتَيْنِ فِي يَوْمٍ إِلَّا إِحْدَاهُمَا تَمْرٌ”.

ومن أسباب ذلك علمك بحقيقة الدنيا.

فالدنيا التي يكون فيها البلاء لا تسوى عند الله جناح بعوضة، روى مسلم في صحيحه عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ بِالسُّوقِ دَاخِلًا مِنْ بَعْضِ الْعَالِيَةِ، وَالنَّاسُ كَنَفَتَهُ، فَمَرَّ بِجَدْيٍ أَسَكَّ مَيِّتٍ ، فَتَنَاوَلَهُ، فَأَخَذَ بِأُذُنِهِ ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنَّ هَذَا لَهُ بِدِرْهَمٍ»؟ فَقَالُوا: مَا نُحِبُّ أَنَّهُ لَنَا بِشَيْءٍ، وَمَا نَصْنَعُ بِهِ؟! قَالَ: «أَتُحِبُّونَ أَنَّهُ لَكُمْ»؟ قَالُوا : والله لَوْ كَانَ حَيًّا كَانَ عَيْبًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَسَكُّ، فَكَيْفَ وَهُوَ مَيِّتٌ؟ فَقَالَ: «فو الله، لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى الله مِنْ هَذَا عَلَيْكُمْ».

ومن الأسباب أن تعلم أن السخط على الله لا يغير من الواقع شيئا، فالله قدر مقادير الخلائق بل خلق السوات والأرض.

في صحيح مسلم، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كَتَبَ الله مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ».

وفي سنن أبى داود، قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ طَعْمَ حَقِيقَةِ الْإِيمَانِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا خَلَقَ الله الْقَلَمَ فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، قَالَ: رَبِّ وَمَاذَا أَكْتُبُ؟ قَالَ: اكْتُبْ مَقَادِيرَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ». يَا بُنَيَّ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ هَذَا فَلَيْسَ مِنِّي.

ومن سبل الوصول إلى مقام الرضا عن الله علمك بشؤم السخط عليه.

قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط» رواه الترمذي.

والمعنى: من رضي بما أصابه ولم يسخط فله الرضاء من الله.

ومنها: اشكر الله على الموجود.

وترى الشَّوكَ في الوُرُودِ، وتَعْمَى

أنْ تَرَى فَوقَهَا النَّدَى إكليلا

في صحيح مسلم قول نبينا صلى الله عليه وسلم: «انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فإنه أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».

وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ» رواه البخاري.

أما قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافىً فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بحذافيرها» رواه الترمذي.

عجيب أن يكون للواحد منا رصيد في البنك يعيشه ويعيش أولاده وأحفاده، فإذا ما شققت عن قلبه لم تجد فيه الرضا عن الله!!

قال يونس بن عبيد رحمه الله لرجل يشكو ضيق حاله: “أيسرّك ببصرك هذا مائة ألف درهم؟ قال الرجل: لا. قال: فبيديك مائة ألف؟ قال: لا. قال: فبرجليك مائة ألف؟ قال: لا. فذكره نعم الله عليه. فقال يونس: أرى عندك مئين الألوف وأنت تشكو الحاجة» [عدة الصابرين 122].

 

تنبيه

الرضا عن الله لا يعني الاستسلام للمصائب، بل يدفع قدر الله بقدر الله، والقلب في أحواله كلها راضيا عن الله.

فما هي ثمرات الرضا عن الله؟

ثمرتان، الأولى:

راحة البال، وطمأنينة النفس، وانشراح الصدر.

قال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن/11].

قال ابن مسعود رضي الله عنه: “هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله، فيرضى ويسلم” رواه البيهقي في الشعب والسنن. أي: يرضى عن الله.

والثانية:

نيل رضاء الله.

قال تعالى” {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي} [الفجر/ 27-30].

أي: ارجعي إلى ربك راضية بإكرام الله لك، والله سبحانه قد رضي عنك.

وروى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري رضى الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة؟ فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك، قالوا: يا رب، وأي شيءٍ أفضل من ذلك؟! فيقول: أحلَّ عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً».

فمن رضي عن الله رضي الله عنه، والجزاء من جنس العمل.

رب صل وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

سبعة عشر + ستة =

شاهد أيضاً

إغلاق