خطب منبرية مفرغةمقالات

الربا .. حرب الله المعلنة

بسم الله الرحمن الرحيم

الربا .. حرب الله المعلنة

خطبة 14/11/2018م

مهران ماهر عثمان

مسجد السلام بالطائف (22)

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فإن الربا من الذنوب التي لا يخفى خطرها على أحد، وهذا تذكير بشيء مما ورد في ذلك..

الربا من الموبقات

عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «اجتنبوا السبع الموبقات». قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» رواه البخاري ومسلم.

وكل من قارف شيئا من معاملة الربا فهو ملعون

واللعن: الطرد عن رحمة الله.

عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: «هم سواء» رواه مسلم وغيره.

والربا شر من الزنا

عن عبد الله بن حنظلة -غسيل الملائكة­- رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنية» رواه أحمد والطبراني في الكبير.

وروى أحمد بإسناد جيد عن كعب الأحبار قال: “لأن أزني ثلاثا وثلاثين زنية أحب إلي من أن آكل درهم ربا يعلم الله أني أكلته حين أكلته ربا».

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فذكر أمر الربا وعظَّم شأنه وقال: «إن الدرهم يصيبه الرجل من الربا أعظم عند الله في الخطيئة من ست وثلاثين زنية يزنيها الرجل، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» رواه ابن أبي الدنيا في كتاب ذم الغيبة والبيهقي.

والربا ينزل معه عذاب الله

قال تعالى: ﴿يمحق الله الربا﴾

هذه الآية فيها تأويلان، أحدهما: يمحق الله أهله، ويستأصل شأفتهم، ويقصم ظهرهم.

وقال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (278) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة/278، 279].

وليس في الإسلام جريمة جاء فيها هذا الوعيد سوى الربا.

ومعنى الآية: فإن لم ترتدعوا عما نهاكم الله عنه فاستيقنوا بحرب من الله ورسوله.

وثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ما ظهر في قوم الزنا والربا إلا أحلوا بأنفسهم عذاب الله» رواه أبو يعلى بإسناد جيد.

والمرابي يعامله الله بنقيض قصده وذهاب بركة ماله

قال الله: ﴿يمحق الله الربا﴾ ففيها قولان كما مرَّ معنا، قيل: يذهب به، وقيل: بأهله.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة» رواه ابن ماجه والحاكم. وفي لفظ له: «الربا وإن كثر فإن عاقبته إلى قلة».

آكلو الربا متوعدون بالمسخ

عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، عن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده ليبيتن أناس من أمتي على أشر وبطر ولعب ولهو، فيصبحوا قردة وخنازير؛ باستحلالهم المحارم، واتخاذهم القينات، وشربهم الخمر، وبأكلهم الربا، ولبسهم الحرير» رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في زوائده.

فما حال المرابين في برزخهم؟

يجيبك نبيك ﷺ.

عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «رأيت الليلة رجلين أتياني، فأخرجاني إلى أرض مقدسة، فانطلقنا حتى أتينا على نهر من دم، فيه رجل قائم، وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان، فجعل كلما جاء ليخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان، فقلت ما هذا الذي رأيته في النهر؟ قيل: آكل الربا» رواه البخاري.

وإنما كان عذابه بنهر الدم لأنه غُذِّي بالحرام ونبيت منه لحمه ودمه وشحمه، وإنما عُذِّب بالحجارة لأنه أدخل إلى جوفه ما يضره ولا ينفعه في الدنيا فعوقب بما هذا شأنه في الآخرة.

وأما حاله في المحشر

فقد قال الله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة/275]

الذين يتعاملون بالربا -وهو الزيادة على رأس المال- لا يقومون في الآخرة من قبورهم إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من الجنون.

قال ابن عباس رضي الله عنهما: “يبعث مجنوناً يخنق”.

والربا ذنب لا يغفر

ثبت عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إياك والذنوب التي لا تغفر؛ الغلول، فمن غل شيئا أتي به يوم القيامة، وآكل الربا، فمن أكل الربا بعث يوم القيامة مجنونا يتخبط» ثم قرأ: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ رواه الطبراني.

والربا كفر بالله

قال الله تعالى: ﴿وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾، وقال سبحانه بعد ذكر الرّبا: ﴿وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: كفّارٍ باستحلال الرّبا، أثيمٍ فاجرٍ بأكل الرّبا.

والمرابي خالد في النار

قال تعالى : ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. والخلود: المكث الطويل.

الأصناف الربوية وعلة جريان الربا فيها

عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ: فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ» رواه مسلم.

وعلة جريانه في الذهب والفضة: الثمنية، ويدل عليه: حديث مسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا، وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا».

وعلة جريانه في بقية الأصناف: الطُعم، مع الوزن أو الكيل.

والدليل: أنها مطعومة مكيلة. ودليل جريانه في المطعوم الموزون حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ: أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا، فَقَالَ: إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلاَثَةِ، فَقَالَ: «لاَ تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا»، وَقَالَ فِي المِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. رواه البخاري.

والجنيب: نوع جيد من أنواع التمر

من صور الربا:

1/ ربا الجاهلية (ربا القرض).

 

وهو الزِّيادة في الدَّين مقابل تأجيل المدة، سواء اشتُرطت الزيادة عند حلول الأجل أو في بداية الأجل. أما الزيادة بدون شرط إذا لم يكن متعارفاً عليها فهي من حسن الأداء، فعن عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أدخل الله عز وجل الجنة رجلاً كان سهلاً؛ مشترياً، وبائعاً، وقاضياً، ومقتضياً» أخرجه البخاري في التاريخ الكبير.

وقاضياً: مؤديا للذي عليه. ومقتضياً طالباً للذي له.

2/ بيع العينة.

لحديث ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ» رواه أبو داود.

وبيع العينة: أن تبيع سلعة بآجل، ثم تشتريها ممن بعتها عليه بناجز أقل.

3/ مبادلة الذهب القديم بالجديد مع بذل شيء من المال.

والصحيح أن يباع الذهب القديم، ويقبض الثمن بلا تأخير، ثم يشترى بالمال ذهب جديد.

4/ بيع الشيك بالنقد.

وهذه الصورة منتشرة في هذه الأيام، يحرر التاجر شيك بمبلغ مليار، فيعطى 900.000 نقداً، وهذا عين الربا.

وكثيراً ما أسأل عن هذه الصورة، مما يدل على انتشارها في ظل هذا الشح في الأوراق النقدية.

هل يباح الربا للضرورة؟ وما حدُّها؟

في الموسوعة الفقهية: “أنه يجوز للمضطر أن يتعامل بالربا للضرورة، فيأثم المقرض دون المقترض” [الموسوعة الفقهية ج6/ ص167].

وفي فتوى “مجمع البحوث الإسلامية” بالقاهرة، في مؤتمره الثاني المنعقد في مايو 1965م، قالوا: “والفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم، لا فرق بين ما يسمَّى بالقرض الاستهلاكي، وما يسمى بالقرض الإنتاجي ( الاستغلالي)، وكثير الربا في ذلك وقليله حرام، والإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة، والاقتراض بالربا كذلك، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه ضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير الضرورة”.

وفي فقهنا قاعدتان معلومتان:

  • الضرورات تبيح المحظورات.
  • والضرورة تقدر بقدرها.

قال ربنا: ﴿ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ﴾ [الأنعام: 119].

فما هو ضابط الضرورة؟

قال د. وهبة الزحيلي: “الضرورة : هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر، أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها، ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام، أو ترك الواجب، أو تأخيره؛ عن وقته دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع ” [نظرية الضرورة الشرعية، ص67-68].

لا بارك الله في أرض ليس فيه من ينهى الناس عن الربا

في سنن ابن ماجة، عن عُبَادَةَ بْن الصَّامِتِ الْأَنْصَارِيَّ رضي الله عنه، أنه غَزَا مَعَ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه أَرْضَ الرُّومِ، فَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يَتَبَايَعُونَ كِسَرَ الذَّهَبِ بِالدَّنَانِيرِ، وَكِسَرَ الْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ الرِّبَا! سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَبْتَاعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ لَا زِيَادَةَ بَيْنَهُمَا وَلَا نَظِرَةً». فَقَالَ لَهُ مُعَاوِيَةُ: يَا أَبَا الْوَلِيدِ! لَا أَرَى الرِّبَا فِي هَذَا إِلَّا مَا كَانَ مِنْ نَظِرَةٍ. فَقَالَ عُبَادَةُ: أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتُحَدِّثُنِي عَنْ رَأْيِكَ! لَئِنْ أَخْرَجَنِي اللَّهُ لَا أُسَاكِنُكَ بِأَرْضٍ لَكَ عَلَيَّ فِيهَا إِمْرَةٌ، فَلَمَّا قَفَلَ لَحِقَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: مَا أَقْدَمَكَ يَا أَبَا الْوَلِيدِ؟ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْقِصَّةَ وَمَا قَالَ مِنْ مُسَاكَنَتِهِ، فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا الْوَلِيدِ إِلَى أَرْضِكَ؛ فَقَبَحَ اللَّهُ أَرْضًا لَسْتَ فِيهَا وَأَمْثَالُكَ. وَكَتَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ: لَا إِمْرَةَ لَكَ عَلَيْهِ، وَاحْمِلْ النَّاسَ عَلَى مَا قَالَ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الْأَمْرُ.

ربِّ صل وسلم على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × 3 =