مقالات

الحامل والمرضع في رمضان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحامل والمرضع في رمضان

الحمدُ لله ربِّ العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فما أكثر ما يسأل الناس عن مسألة الحامل والمرضع في رمضان؛ ما يلزمهما إذا أفطرتا؟!

فأقول مستعيناً بالله، مستلهماً الصواب منه:

هذه المسألة فيها خمسة أقوال:

القول الأول: عليهما القضاء فقط، وهذا مذهب الإمام أبي حنيفة رحمه الله.

القول الثاني: إن خافتا على أنفسهما فعليهما القضاء فقط، وإن خافتا على ولديهما فعليهما القضاء وإطعام مسكين عن كل يوم، وهو مذهب الإمامين الشافعي وأحمد.

القول الثالث: عليهما الإطعام فقط، ولا قضاء عليهما. وقال به من الصحابة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وحكاه ابن قدامة في المغني (3/37) عن ابن عمر رضي الله عنهما أيضاً.

القول الرابع:  أن الحامل تقضي ولا تطعم، وأن المرضع تقضي وتطعم، وهو مذهب المالكية.

القول الخامس: تفطران ولا قضاء عليهما ولا إطعام، ومن قال بهذا ابن حزم رحمه الله.

وقد حكى الجصاص في أحكام القرآن اختلاف الصحابة في هذه المسألة فقال: “اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: فَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ إذَا أَفْطَرَتَا وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ بِلا قَضَاءٍ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرُ: عَلَيْهِمَا الْفِدْيَةُ وَالْقَضَاءُ”. رضي الله عنهم أجمعين.

وبعد أن علمنا أقوال علمائنا في هذه المسألة فإن الذي يترجح هو القول بأن الحامل والمرضع إذا افطرتا في رمضان فلا يلزمهما سوى الفدية (إطعام مسكين عن كل يوم)؛ وذلك لما يلي:

أولاً

قول الله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ} [البقرة/184]. وقد “كان ذلك في أول ما فرض الصوم، وكان من أطاقه من المقيمين صامَه إن شاء، وإن شاء أفطره وَافتدى، فأطعم لكل يوم أفطره مسكينًا، حتى نُسخ ذلك” [تفسير الطبري 3/418].

قال ابن عباس رضي الله عنهما: “كان الشيخُ الكبير والعجوزُ الكبيرةُ وهما يطيقان الصوم، رُخص لهما أن يفطرَا إن شاءا ويطعما لكلّ يوم مسكينًا، ثم نَسخَ ذلك بعد ذلك: {فمن شَهد منكم الشهر فليصمه ومَنْ كان مريضًا أو عَلى سفر فعدةٌ من أيام أخر}، وثبت للشيخ الكبير والعجوز الكبيرة، إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا” [تفسير الطبري 3/425].

فبين رضي الله عنه أن حكم الآية ثابت في حق الحامل والمرضع، فليس عليهما سوى الفداء، وهذا هو الحكم بالنسبة للمسن والكبيرة.

ثانياً

قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عَنْ الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنْ الْحَامِلِ أَوْ الْمُرْضِعِ الصَّوْمَ» أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه.

وشيء وضعه الله لا يجوز لأحدٍ أن يلزم به، والمسافر والمريض يقضيان لأن الله ألزمهما بذلك في القرآن الكريم، أما الحامل والمرضع كيف نلزمهما بما لم يلزمهما الله به!؟ وإنما أوجبنا الفداء عليهما للدليل السابق.

 

ثالثاً

الآثار في ذلك، ومنها:

أثر ابن عمر رضي الله عنهما: “الحامل والمرضع تفطر ولا تقضي” رواه الدارقطني. وقال: “تطعم مكان كل يوم مسكيناً” رواه البيهقي.

وفي سنن الدارقطني، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ لأُمِّ وَلَدٍ لَهُ حُبْلَى أَوْ مُرْضِعٍ: “أَنْتِ مِنَ الَّذِينَ لاَ يُطِيقُونَ الصِّيَامَ، عَلَيْكِ الْجَزَاءُ وَلَيْسَ عَلَيْكِ الْقَضَاءُ”.

 

قال السيد سابق رحمه الله في فقه السنة (1/440):

“والحبلى، والمرضع – إذا خافتا على أنفسهما، أو أولادهما أفطرتا – وعليهما الفدية، ولاقضاء عليهما، عند ابن عمر، وابن عباس. روى أبو داود عن عكرمة، أن ابن عباس قال، في قوله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه}، كانت رخصة للشيخ الكبير، والمرأة الكبيرة، وهما يطيقان الصيام، أن يفطرا، ويطعما مكان كل يوم مسكينا، والحبلى، والمرضع -إذا خافتا (يعني على أولادهما) – أفطرتا، وأطعمتا. رواه البزار ، وزاد في آخره: وكان ابن عباس يقول لام ولد له حبلى: أنت بمنزلة الذي لا يطيقه، فعليك الفداء، ولاقضاء عليك. وصحح الدارقطني إسناده. وعن نافع أن ابن عمر سئل عن المرأة الحامل إذا خافت على ولدها فقال: تفطر، وتطعم مكان كل يوم مسكينا مدا من حنطة. رواه مالك، والبيهقي”.

وممن قال بهذا من علماء هذه البلاد: الأستاذ الدكتور/ عبد الله الزبير عبد الرحمن، الأمين العام لمجمع الفقه الإسلامي، وقد نشرت فتواه في موقع المشكاة http://meshkat.net/node/15054   فقد قال بعد ذكر الأقوال: “والراجح الصحيح هو ما اتفق عليه الصحابيان الجليلان ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، ووافقهم عليه جمهور التابعين، منهم: سعيد بن جبير، والقاسم بن محمد، وإسحاق ابن راهويه، وعطاء، وعكرمة.

وعليه: فالحامل والمرضع تفطران ولا تقضيان، وإنما عليهما فقط الإطعام، تطعم عن كل يوم مسكيناً مداً من حنطة، ويجوز القيمة مكان العين.

والدليل على أنهما تفطران وتطعمان ولا تقضيان النقل والأصل والعقل:

أما النقل: فهو قوله تعالى: {وعلَىَ الَّذِينَ يُطيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِين}. وجماهير العلماء على أنها محكمة في الشيخ والعجوز والحامل والمرضع وغير منسوخة، وهي صريحة في أنّ حكمهم الفدية والإطعام لا القضاء.

وأمَّا الأصل: فهو أنّ الأصل في أحكام الصيام أنها مبنية على التيسير، وأنّ التيسير يجلب عند المشقة، والمشقة حاصلة للحامل والمرضع فوق مشقة الصائمين وزيادة على حالهم ، والتيسير يقتضي التخفيف، والتخفيف لا يكون بإيجاب القضاء عليها؛ لأن الحمل ليس شهراً واحداً، ولا الرضاعة شهر واحد.

وأما العقل: فهو أن المرأة إذا صارت حاملاً أو مرضعاً، فالغالب فيها أنها لا تنقطع أبداً في حياتها عن أحد الحالين، فهي في كل أيام السنة إما مرضع وإما حامل، فمتى تقضي؟ مهما أمرناها بالقضاء فسيكون سبب الرخصة قائماً فيها.

وعليه فالصحيح الموافق لحالها والموافق لنصّ الشرع ومقصوده في التيسير أن تفطر وتطعم ولا تقضي.

هذا وقد اتفق الصحابيان الجليلان ابن عباس وابن عمر ومعهما أنس بن مالك رضي الله عنهم في هذه المسألة، فإلى من نفارقهم؟ وقول من نقدّمه على قولهم من بعدهم؟ والله الموفّق والمحقق لكل خير ونفع وصلاح” ا.هـ. كلامه حفظه الله.

وممن قال بهذا: العلامة الألباني رحمه الله.

وقد أخبرني فضيلة الشيخ/ د. عبد الحي يوسف –وفقه الله ورعاه- أن العلامة القرضاوي حفظه الله يرى أن المرأة التي تكون في كل عام إما حاملاً وإما مرضعاً أنه ليس عليها سوى الإطعام.

وأختتم هذه الكلمات بالتذكير بأن هذه المسألة من المسائل التي يسوغ فيها الخلاف، فلا ينبغي أن تكون سبباً لوقوع الشحناء والبغضاء بين الناس.

أسأل الله أن يفقهنا في ديننا وأن يبصرنا فيه. رب صل وسلم وبارك على نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تسعة عشر − 14 =