خطب منبرية مفرغة

التعذيب ظلماً

بسم الله الرحمن الرحيم

التعذيب بغير حق

الجمعة: 8 فبراير 2019

مسجد السلام بالطائف (22)

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد؛

فخطبتنا هذه هي السابعة في التحذير من الظلم؛ وقد سبق حديث في ثلاث جمع عن القتل، وسبقت جمعة عن الضرب ظلماً، وعن دعاء المظلوم، وعن شؤم الظلم، والحديث في هذه الجمعة عن صورة من صور الظلم: وهي صورة التعذيب بغير حق، تعذيب البريء، فالتعذيب لبعض أهل الإجرام قد يكون بحق؛ كضرب الزاني على سبيل المثال، فالضرب ضرب من التعذيب، وكالتعذيب على جهة القصاص! فالقصاص من المعذب واجب، فحديثي عن التعذيب بغير حق، ومن صور ذلك: تعذيب المتظاهرين الذين قاموا بمظاهرات سلمية.

 

حرمة المسلم

في صحيح البخاري، «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ، وَأَبْشَارَكُمْ، عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلاَ هَلْ بَلَّغْتُ» قُلْنَا: نَعَمْ، قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَإِنَّهُ رُبَّ مُبَلِّغٍ يُبَلِّغُهُ لِمَنْ هُوَ أَوْعَى لَهُ».

قوله «أبشاركم»: جَمْعُ “بَشَرَةٍ” وَهُوَ ظَاهِرُ جِلْدِ الْإِنْسَانِ.

ففي الحديث دلالةٌ واضحة على عصمة المسلم من الإيذاء بالضرب والسب والشتم والإهانة إلا بحق يوجب حدًا أو تعزيرًا، فلا يجوز هدر هذه العصمة لمجرد التهمة.

وإذا كان مجرد خدش البشرة محرماً، فكيف بغيره من أنواع الضرب والتعذيب؟!

 

نهت الشريعة عن تعذيب الحيوان، فكيف بالإنسان!؟

والأحاديث كثيرة، لكني أذكر منها ثلاثة:

الأول:

مَرَّ عبد الله بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما بِفِتْيَانٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَدْ نَصَبُوا طَيْرًا وَهُمْ يَرْمُونَهُ، وَقَدْ جَعَلُوا لِصَاحِبِ الطَّيْرِ كُلَّ خَاطِئَةٍ مِنْ نَبْلِهِمْ، فَلَمَّا رَأَوْا ابْنَ عُمَرَ تَفَرَّقُوا، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا؟ لَعَنْ اللَّهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا؛ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ مَنْ اتَّخَذَ شَيْئًا فِيهِ الرُّوحُ غَرَضًا. رواه مسلم. والغرض: المرمى.

الثاني:

قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي سَفَرٍ فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَرَةً (طائر صغير)، مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتْ الْحُمَرَةُ فَجَعَلَتْ تَفْرِشُ(تبسط جناحيها)، فَجَاءَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا». وَرَأَى قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا فَقَالَ: «مَنْ حَرَّقَ هَذِهِ»؟ قُلْنَا :نَحْنُ. قَالَ: «إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» رواه أبو داود.

الثالث:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ، رَبَطَتْهَا، فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا، وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا» رواه الشيخان.

 

تنبيهان مهمان ذكرهما الفقهاء رحمهم الله

الأول: ما هي الضوابط التي تجب مراعاتها لضرب المجرمين؟!

يكون الضرب بما لا يَشُق جلدًا، ولا يُنهر دمًا، ولا يَكسر عظمًا، ولا بد من مراعاة ذلك في الآلة، والكيفية. وقالوا: “لَا يُعَذَّبُ أَحَدٌ لِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى، بَلْ مَعَ اقْتِرَانِ قَرِينَةٍ تَحِيكُ فِي النَّفْسِ، وَتُؤَثِّرُ فِي الْقَلْبِ نَوْعًا مِنَ الظَّنِّ”.

الثاني: هل للحاكم أن يستعمل وسيلة غير الضرب؟!!

لا يحل استعمال غير الضرب من أنواع العقوبة في حق هؤلاء، ففي تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام (2/ 151) “سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ عَذَابِ اللُّصُوصِ بِالدُّهْنِ وَبِهَذِهِ الْخَنَافِسِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى بُطُونِهِمْ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ هَذَا، إنَّمَا هُوَ السَّوْطُ أَوْ السِّجْنُ”.

وقال ابن رشد رحمه الله: “لا يصلح أن يعاقب أحد فيما يلزمه فيه العقوبة إلا بالجلد والسجن الذي جاء به القرآن، وأما تعذيب أحد بما سوى ذلك من العذاب فلا يحل ولا يجوز، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله ليعذب في الآخرة الذين يعذبون الناس في الدنيا» [البيان والتحصيل 16/ 383].

 

تعذيب غير المسلم!

ومما يدلُّ على أنّ المعاهد يشمل هذه الأنواع حديث النبي صلى الله عيه وسلم: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا، أَوْ انْتَقَصَهُ، أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ، فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رواه أبو داود. فهذا في الذميِّ سماه النبي صلى الله عليه وسلم معاهداً.

قال ابن حجر رحمه الله: “والمراد بِهِ مَنْ لَهُ عَهْد مَعَ الْمُسْلِمِينَ، سَوَاء كَانَ بِعَقْدِ جِزْيَة، أَوْ هُدْنَة مِنْ سُلْطَان، أَوْ أَمَان مِنْ مُسْلِم” [فتح الباري 12/ 259].

وفي مساء اليوم الذي سبق غزوة بدر: بعث النبي صلى الله عليه وسلم استخباراته من جديد، ليبحث عن أخبار العدو، وقام لهذه العملية ثلاثة من قادة المهاجرين؛ علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبي وقاص في نفر من أصحابه، ذهبوا إلى ماء بدر، فوجدوا غلامين يستقيان لجيش مكة، فألقوا عليهما القبض وجاؤوا بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في الصلاة، فاستخبرهما القوم، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم ورجوا أن يكونا لأبي سفيان- لا تزال في نفوسهم بقايا أمل في الإستيلاء على القافلة- فضربوهما موجعا، حتى اضطر الغلامان أن يقولا: نحن لأبي سفيان، فتركوهما.

ولما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة قال لهم كالعاتب: «إذا صدقاكم ضربتموهما وإذا كذباكم تركتموهما، صدقا والله، إنهما لقريش» [الرحيق المختوم، ص190- 191].

 

التعذيب للاعتراف!

في حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (5/ 275) “كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إِلَى عَبْدِ الْحَمِيدِ قَالَ: جَاءَنِي كِتَابُكَ تَذْكُرُ أَنَّ قِبَلَكَ قَوْمًا مِنَ الْعُمَّالِ قَدِ اخْتَانُوا مَالًا فَهُوَ عِنْدَهُمْ، وَتَسْتَأْذِنُنِي فِي أَنْ أَبْسُطَ يَدَكَ عَلَيْهِمْ، فَالْعَجَبُ مِنْكَ فِي اسْتِئْمَارِكَ إِيَّايَ فِي عَذَابِ بشَرٍ، كَأَنِّي جُنَّةٌ لَكَ، وَكَأَنَّ رِضَائِي عَنْكَ يُنْجِيكَ مِنْ سَخَطِ اللهِ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَانْظُرْ مَنْ أَقَرَّ مِنْهُمْ بِشَيْءٍ فَخُذْهُ بِالَّذِي أَقَرَّ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَمَنْ أَنْكَرَ فَاسْتَحْلِفْهُ وَخَلِّ سَبِيلَهُ، فَلَعَمْرِي لَأَنْ يَلْقَوُا اللهَ بِخِيَانَاتِهِمْ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ أَنْ أَلْقَى اللهَ بِدِمَائِهِمْ، وَالسَّلَامُ”.

وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: “لَيْسَ الرَّجُلُ أَمِينًا عَلَى نَفْسِهِ: إِذَا أَجَعْتَهُ، أَوْ أَوْثَقْتَهُ، أَوْ ضَرَبْتَهُ” أخرجه عبد الرزاق في مصنفه. أي: لا يؤمن أن يقر الإنسان على نفسه بجرم لم يفعله بسبب الجوع والضرب.

 

يقام حد الله على المجرم، ولكنه لا يعذب إلا قصاصاً

روى البيهقي في “السنن الكبرى” عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ فِي ابْنِ مُلْجَم -وهو عبد الرحمن بن ملجم الخارجي قاتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه- بَعْدَمَا ضَرَبَهُ بِهِ: “أَطْعِمُوهُ، وَاسْقُوهُ، وَأَحْسِنُوا أَسَارَهُ، فَإِنْ عِشْتُ فَأَنَا وَلِيُّ دَمِي، أَعْفُو إِنْ شِئْتُ، وَإِنْ شِئْتُ اسْتَقَدْتُ، وَإِنْ مُتُّ فَقَتَلْتُمُوهُ، فَلَا تُمَثِّلُوا”.

 

جزاء من عذب الناس في الآخرة

ثبت في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا» رواه مسلم.

 

شرط التوبة من هذه المعصية وجود أحد أمرين:

1/ القصاص

عَنْ أَبِي فِرَاسٍ، قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنِّي لَمْ أَبْعَثْ عُمَّالِي لِيَضْرِبُوا أَبْشَارَكُمْ، وَلَا لِيَأْخُذُوا أَمْوَالَكُمْ، فَمَنْ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ فَلْيَرْفَعْهُ إِلَيَّ أُقِصُّهُ مِنْهُ. قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَدَّبَ بَعْضَ رَعِيَّتِهِ أَتُقِصُّهُ مِنْهُ؟ قَالَ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أُقِصُّهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَصَّ مِنْ نَفْسِهِ. رواه أبو داود.

والحديث الذي أشار إليه الفاروق رضي الله عنه هو حديث سواد؛ فإَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَدَّلَ صُفُوفَ أَصْحَابِهِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَفِي يَدِهِ قِدْحٌ (سهم) يُعَدِّلُ بِهِ الْقَوْمَ، فَمَرَّ بِسَوَادِ بْنِ غَزِيَّةَ مُسْتَنْصِلٌ مِنْ الصَّفِّ، فَطُعِنَ فِي بَطْنِهِ بِالْقِدْحِ، وَقَالَ: «اسْتَوِ يَا سَوَّادُ». فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْجَعْتنِي وَقَدْ بَعَثَكَ اللَّهُ بِالْحَقِّ وَالْعَدْلِ، فَأَقِدْنِي (مكني من القصاص). فَكَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَطْنِهِ، وَقَالَ: «اسْتَقِدْ». قَالَ: فَاعْتَنَقَهُ فَقَبَّلَ بَطْنَهُ: فَقَالَ: مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا يَا سَوَّادُ؟ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَضَرَ مَا تَرَى، فَأَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ الْعَهْدِ بِكَ أَنْ يَمَسَّ جِلْدِي جِلْدَكَ. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْرِ [سيرة ابن هشام ج1 /ص626].

حديث الصحيحين، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه، قَالَ : “قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُرَيْنَةَ، فَاجْتَوَوْا المَدِينَةَ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ، وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا، فَانْطَلَقُوا ، فَلَمَّا صَحُّوا ، قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ، فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ، فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ، فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ، وَسُمِّرَتْ أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الحَرَّةِ، يَسْتَسْقُونَ فَلاَ يُسْقَوْنَ”.

ولقاح جمع لقْحَة (بكسر اللام وفتحها)، وهي الناقة ذات الدرّ واللبن.

سُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ: جاء بيان معناها في رواية أخرى عند البخاري: “ثُمَّ أَمَرَ بِمَسَامِيرَ فَأُحْمِيَتْ فَكَحَلَهُمْ بِهَا”.

وسمر النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم على وجه القصاص والعقوبة بالمثل؛ لأنهم فعلوا ذلك بالرعاة، كما جاء بيان ذلك في صحيح مسلم (1671) عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: “إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ أُولَئِكَ؛ لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ”. قال ابن حجر رحمه الله: “وفي هذا الحديث من الفوائد … المماثلة في القصاص، وليس ذلك من المثلة المنهي عنها” [فتح الباري ج1/ ص341].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “وأما القصاص في الضرب بيده أو بعصاه أو سوطه، مثل أن يلطُمه، أو يلكُمَه أو يضرِبه بعصا ونحو ذلك: فقد قالت طائفة من العلماء: إنه لا قصاص فيه، بل فيه التعزير؛ لأنه لا تمكن المساواة فيه. والمأثور عن الخلفاء الراشدين وغيرهم من الصحابة والتابعين: أن القصاص مشروع في ذلك، وهو نص أحمد وغيره من الفقهاء، وبذلك جاءت سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الصواب” [مجموع الفتاوى ج28/ ص379].

2/ أو العفو

ففي المعجم الكبير للطبراني، عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: جَاءَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَوَجَدْتُهُ مَوْعُوكًا قَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ، فَقَالَ: «خُذْ بِيَدِي يَا فَضْلُ». فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْمِنْبَرِ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «صَحْ فِي النَّاسِ». فَصِحْتُ فِي النَّاسِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ نَاسٌ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّهُ قَدْ دَنَا مِنِّي حُقُوقٌ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرَهُ فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدَّ مِنْهُ، أَلَا وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدَّ مِنْهُ، أَلَا لَا يَقُولَنَّ رَجُلٌ إِنِّي أَخْشَى الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ طَبِيعَتِي وَلَا مِنْ شَأْنِي، أَلَا وَإِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا إِنْ كَانَ لَهُ، أَوْ حَلَّلَنِي فَلَقِيتُ اللهَ وَأَنَا طَيِّبُ النَّفْسِ، أَلَا وَإِنِّي لَا أَرَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنِّي حَتَّى أَقُومَ فِيكُمْ مِرَارًا» ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ فَعَادَ لِمَقَالَتِهِ فِي الشَّحْنَاءِ.

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لاَ يَكُونَ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ» رواه البخاري.

ومعنى: «فليتحلله»: يطلب منه العفو والمسامحة أو يؤدي إليه مظلمته.

فإن لم يُقم القصاص في الدنيا فهل تضيع حقوق المظلومين!

هذا لا يقول به إلا ملحد لا يؤمن بيوم الحساب، وهي معضلة لا يحسن ملحد أن يجيب عنها! أما نحن المسلمين الذين نؤمن بيوم الحساب فنوؤمن بأن الحق لا يضيع أبداً، كيق يضيع حق، والله تعالى هو الحق المبين؟!

في صحيح مسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ، مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ».

هذا عدل الله تعالى في العجاوات! فكيف بعدله في في بني آدم؟!

وفي الأدب المفرد للبخاري، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أَنَّهُ بَلَغَهُ حَدِيثٌ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلم فابتعت – فابتاع – بَعِيرًا فَشَدَدْتُ إِلَيْهِ رَحْلِي شَهْرًا حَتَّى قَدِمْتُ الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فَبَعَثْتُ إِلَيْهِ أَنَّ جَابِرًا بِالْبَابِ فَرَجَعَ الرَّسُولُ فَقَالَ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ فَخَرَجَ فَاعْتَنَقَنِي. قُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَنِي لَمْ أَسْمَعْهُ خَشِيتُ أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «يَحْشُرُ اللَّهُ الْعِبَادَ عُرَاةً غُرْلًا بُهْمًا». قلنا: مَا بُهْمًا؟ قَالَ: «لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْءٌ، فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعُهُ مَنْ بَعُدَ كَمَا يَسْمَعُهُ مَنْ قَرُبَ: أَنَا الْمَلِكُ، لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَدْخُلُ النَّارَ وَأَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَطْلُبُهُ بِمَظْلَمَةٍ». قُلْتُ: وَكَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّهَ عُرَاةً بُهْمًا؟ قَالَ: «بِالْحَسَنَاتِ والسيئات».

 

موقفان أختم بهما

الموقف الأول

حبس الحجاج حبس رجلاً ظلماً، فكتب إليه رُقعةً فيها: “قد مضى من بؤسنا أيامٌ ومن نعيمك أيامٌ، والموعدُ القيامة، والسجنُ جهنمُ، والحاكمُ لا يحتاج إلى بيِّنة”.

وكتب في آخرها:

ستعلمُ – يانَؤومُ –  إذا التقَينا        غداً عِندَ الإلهِ  مَنِ  الظَّلُومُ؟

أما  واللهِ    إن   الظُّلمَ   لؤمٌ        وما زال  الظلومُ  هوَ  المَلومُ

سينقطعُ    التلذُّذُ  عن   أُناسٍ        أدامُوه,    وينقطعُ   النّعيمُ

إلى ديَّانِ يومِ  الدِّينِ     نَمضي        وعندَ  الله  تجتمعُ  الخصومُ”

[المستطرف في كل فنٍّ مستظرف، ص147].

والموقف الثاني:

قصة الضابط حمزة البسيوني كلف بإدارة السجن الحربي في عهد جمال عبد الناصر، وقد اشتهر عنه التعذيب الذي كان يمارسه فيه ضد المعارضين لنظامه! وقد اشتهر عنه أنه كان يقول للمعتقلين والمعذَبين الذين كانوا يستغيثون بربهم: يا رب يا رب أثناء التعذيب، فكان يقول لهم: لو أتى ربكم هذا لوضعته معكم في السجن! وفي يوم: 19 نوفمبر عام 1971 وهو أول أيام عيد الفطر المبارك كان حمزة مسافرا من الإسكندرية إلى القاهرة ومعه شقيقه راكبا إلى جواره، فاصطدمت سيارته بسيارة محملة بحديد المباني، فمات، ودخل الحديد في بدنه، فلم يتمكنوا من إخراجه إلا قطعاً قطعاً.

هذا شيء من عذاب الله للطغاة في الدنيا.

﴿ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ ﴾ [الرعد: 34].

ربِّ صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمَّد.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

7 + 18 =

شاهد أيضاً

إغلاق